الإثنين 11 مايو 2026 01:18 صـ 23 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

من الشهادة إلى التوجيه: كيف يُعاد تشكيل الحقيقة في قضايا تهز المجتمع؟

في ساحات العدالة، لا تُختبر الحقيقة فقط داخل قاعة المحكمة، بل تُختبر أيضًا خارجها؛ في الخطاب العام، وفي الروايات المتداولة، وفي الأصوات التي تزعم أنها تنقل “جوهر الواقع” بينما قد تعيد تشكيله وفق وعي مسبق لا يخلو من الانحياز.

وقضية القاضي المتهم بإنهاء حياة زوجته لم تكن استثناءً من هذه القاعدة، بل بدت نموذجًا مكثفًا لتداخل القانوني بالإعلامي، والإنساني بالأيديولوجي، والشهادة بالموقف الفكري.

في هذا السياق، برزت رواية معالي محروس بوصفها “صديقة الضحية”، إلا أن الخطاب الذي قدمته لم يتوقف عند حدود الشهادة التقليدية، بل تمدد إلى فضاء أوسع، تتداخل فيه الذاكرة الشخصية مع القناعة الفكرية، ويصعب فيه الفصل بين ما هو “معاينة واقعة” وما هو “تأويل مسبق”.

من الناحية القانونية الصرفة، الشهادة ليست مجرد سرد عاطفي أو بناء سردي متماسك، بل هي نقل محايد قدر الإمكان لوقائع محددة تخضع لاحقًا لميزان المحكمة.

اقرأ أيضاً

لكن حين تتحول الشهادة إلى خطاب عام، مدعوم بتاريخ من المواقف الفكرية المعلنة، فإنها تدخل منطقة حساسة: منطقة إعادة إنتاج الواقع لا نقله فقط.

وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية.

فمعالي محروس، وفق ما هو متداول من ظهورها الإعلامي وخطابها العام عبر سنوات، ارتبطت بمواقف واضحة تجاه قضايا الأسرة، والرعاية المشتركة، والاستضافة، وهي مواقف لا تُناقش من حيث مشروعيتها الفكرية، بل من حيث تأثيرها على حياد “الشهادة” حين تُستدعى في قضية جنائية شديدة الحساسية.

الفلسفة القانونية هنا تُذكّرنا بأن العدالة لا تتعامل مع “الانطباعات” بل مع “الوقائع”، ولا تُدار بمنطق الانحيازات حتى لو كانت نابعة من تجربة شخصية مؤلمة.

ذلك أن الحقيقة في جوهرها ليست ملكًا عاطفيًا، بل بناءٌ دقيق يتطلب تفكيك الروايات، لا الانصهار داخلها.

ومن منظور فلسفة العدالة، فإن أخطر ما يهدد التوازن القضائي ليس الكذب المباشر، بل “الصدق الانتقائي”؛ ذلك النوع من السرد الذي لا يختلق الوقائع، لكنه يعيد ترتيبها بطريقة تخدم تصورًا مسبقًا عن العالم.

وفي القضايا الجنائية تحديدًا، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية، لأن المجتمع يميل بطبيعته إلى البحث عن سردية مريحة أخلاقيًا: خير واضح، وشر واضح، وضحية بلا التباس، ومتهم بلا منطقة رمادية.

غير أن القانون، بخلاف الخطاب الاجتماعي، لا يعترف بالوضوح الأخلاقي كمعيار للحكم، بل باليقين القضائي المبني على الدليل.

ومن هنا، فإن أي رواية تُقدَّم في الفضاء العام، مهما بدت متماسكة أو مؤثرة، تظل في النهاية خطابًا قابلًا للنقد والمراجعة، لا حقيقة مكتملة.

إن الإشكال ليس في وجود رأي، ولا في تعاطف إنساني مشروع مع الضحايا، بل في لحظة يتحول فيها التعاطف إلى “إطار تفسير شامل”، يُعيد تعريف الأطراف جميعًا خارج نطاق المحكمة، وقبل أن تقول المحكمة كلمتها.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتداخل السياسة الاجتماعية بالخطاب الإعلامي، ويتحول الجدل من بحث عن الحقيقة إلى صراع على المعنى.

ويبقى جوهر المسألة قانونيًا بامتياز: أن العدالة لا تُبنى على الرواية الأقوى عاطفيًا، بل على الرواية الأكثر اقترابًا من الدليل، والأقل خضوعًا لتأثير الخلفيات الفكرية.

وفي انتظار كلمة القضاء، يظل أي خطاب عام—مهما بلغت نبرته من الثقة—مجرد قراءة محتملة للواقع، لا تعريفًا نهائيًا له.

فالحقائق في ساحات العدالة لا تُستخرج من الانطباعات، بل من التحقق…

والتحقق، في جوهره، نقيض اليقين المسبق.

من الشهادة إلى التوجيه : كيف يُعاد تشكيل الحقيقة في قضايا تهز المجتمع