الخميس 8 يناير 2026 02:17 مـ 19 رجب 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

حين يغيب الوعي.. تتكلم الشائعة

في المقاهي، وفي طوابير المصالح، وعلى نواصي الشوارع، لا تحتاج للكثير من المجهود لتسمع جملة تبدأ بـ «بيقولوا إن…»، ثم تكتمل الرواية بلا مصدر، وتنتشر بلا تحقق، وتتحول في لحظات إلى يقين عند البعض، هنا، لا تكون المشكلة في قرار، ولا في إجراء، بل في فراغ تركه الإعلام، فملأته الشائعة.

لا تحتاج لمجهود كبير لتسمع

القضايا المرتبطة بالحماية الاجتماعية بطبيعتها حساسة، تمس حياة الناس، وأمانهم، ومستقبل أسرهم، ولهذا فإن أي غموض مهما كان بسيطاً يتحول سريعاً إلى قلق، وأي تأخير في الشرح يُفسر على أنه إخفاء، وأي صمت يُملأ بتأويلات لا ترحم. وفي مصر، لم يعد المواطن ينتظر البيان الرسمي، ولا النشرة المسائية، بل يتلقى معلوماته من مقطع عابر على السوشيال ميديا أو منشور منسوب إلى «مصدر مطلع»، أو مقطع غاضب حصد آلاف المشاركات، وهنا يظهر السؤال الذي لا بد منه: أين الإعلام من كل هذا؟

الإعلام الحقيقي لا ينتظر الاشتعال، بل يسبقه، لا يكتفي بتكذيب الشائعة بعد انتشارها، بل يمنع ولادتها، ولا يتعامل مع الناس باعتبارهم متلقين، بل شركاء في الفهم، فالمسألة ليست دفاعاً عن سياسات، ولا تبريراً لإجراءات، بل حماية لفهم الناس من التآكل، لأن الخوف حين ينتشر لا يفرق بين حقيقة وزيف، ولا بين حق وباطل، بل يهدم الثقة في كل شيء.

لقد أثبت الواقع أن غياب الرسالة الواضحة والبسيطة والمستمرة يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة، ويخلق فجوة بين المواطن والمؤسسات، فجوة لا تُردم بالقوة بل بالفهم ومن هنا، نحن بحاجة إلى إعلام يتكلم بلغة الناس لا فوقهم، يشرح قبل أن يُطمئن، ويُطمئن قبل أن يُدافع، إعلام يدرك أن الوعي الاجتماعي جزء من الأمن المجتمعي، وأن ترك الساحة للارتجال يضر بالجميع لا طرفاً واحداً.

فكما أن المجتمع يحتاج إلى تشريعات تحميه، يحتاج أيضاً إلى خطاب إعلامي يرافقه، يفسر، ويوضح، ويضع الأمور في سياقها الطبيعي، بعيداً عن التهويل أو التهوين.

وفي النهاية، ما زلت أؤمن أن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس القرار الخاطئ بل سوء الفهم، وأن أول خطوط الحماية الاجتماعية لا تبدأ من نص مكتوب لصحفي أوبيان لمستشار إعلامي، بل من كلمة صادقة، وإعلام مسؤول، يحترم عقل المواطن قبل أن يطالبه بالثقة

الشائعة المجنمع الاعلام