الأحد 25 أكتوبر 2026 09:46 صـ 13 جمادى أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

ردّت في صدورهم: حين أحرقت ”الهندسة البصرية” شوارع صانعيها

ما يحدث اليوم في المدن الغربية ليس إلا نتيجة إرتدادية لما تم تأييده في السابق من حكامها لما يحدث داخل المدن العربية.

عزيزي القارئ دعنا نستعرض سردية حدثت لأكثر من عقدين؛ حيث انشغلت حينها تحليلات ما بعد ثورات الربيع العربي في الشرق الأوسط بمفهوم "التهيئة النفسية والبصرية والذهنية".

أصحاب هذا الطرح رأوا أن إنتاج وتوزيع صور التمرد واقتحام المقار الأمنية؛ وتحطيم رموز السلطة عبر شاشات السينما والمنصات الممولة غربياً؛ لم تكن مجرد نتاج فني تلقائي؛ بل أداة ترويض نفسي حطمت حاجز الرهبة في نفوس الجموع؛ وحوّلت إسقاط هيبة الدول من تابو مستحيل إلى مشهد اعتيادي يمكن استدعاؤه بضغطة زر.

كانت الفرضية السائدة في مراكز التفكير الغربية أن هذه الخلطة تفكيك شرعية المؤسسات؛ تمجيد الغضب الفردي العشوائي؛ والاحتفاء بالفوضى كولادة حتمية للحرية؛ هي وصفة صالحة للاستهلاك في أسواق العالم النامي لحثها على التحول وإعادة هندستها سياسياً من الخارج.

اقرأ أيضاً

لكن قوانين الفيزياء السياسية تملك منطقاً خاصاً؛ ارتداد الطاقة دائماً ما يصيب المصدر إذا تغيرت شروط البيئة الحاضنة.

انقلاب الشاشات باريس ولندن وروما على خط النار

اليوم؛ تبدو الشاشات الغربية وكأنها تستعيد المشاهد نفسها؛ ولكن بألوان محلية وأماكن مألوفة لمواطني القارة العجوز.

فالمشاهد القادمة من ضواحي باريس، أو قلب لندن، وروما وغيرها من المدن الغربية؛ لم تعد تختلف في جوهرها النفسي والبصري عن مشاهد التمرد التي اعتادت نشرات الأخبار تصديرها من العالم العربي

حرائق تجتاح الشوارع العامة؛

تحطيم الواجهات ومحاصرة مراكز الشرطة؛

عنف مضاد من أجهزة أمنية باتت عاجزة عن ضبط السيطرة دون استخدام القوة المفرطة.

هنا يتجلى المثل الشعبي في أقصى صوره الرمزية؛ ما ظُن أنه فخ صُنع للآخرين؛ بات الشَّرَك الذي وقع فيه الصانع نفسه.

انهيار الحصانة هدم فكرة "العقد الاجتماعي"

الخطأ الجوهري في استراتيجيات تصدير التمرد كان الاعتقاد بأن الغرب محصن بنيوياً ضد أمراض الفوضى.

اعتمد الغرب لعقود على وهم "المؤسسات الصلبة" و"العقد الاجتماعي الأبدي"؛ متناسياً أن ثقافة التمرد البصري لا تفرق بين قسم شرطة في شبرا أو مركز أمني في باريس حين يتفكك الغطاء الاجتماعي وتتفاقم الأزمات الاقتصادية.

إن تطبيع مشهد العنف؛ وشيطنة رجل الأمن في الوعي الجمعي الغربي ذاته عبر السينما وثقافة "المظلومية المطلقة"؛ خلق جيلاً أوروبياً جديداً فقد احترامه الكامل لسلطة الدولة.

باتت المواجهة مع الشرطة وسيلة للتعبير عن الوجود؛ وممارسة التخريب نوعاً من "الأداء المسرحي" المنقول عبر البث المباشر على منصات التواصل؛ وهي الآليات نفسها التي هُندست في الأصل لتوظيف غضب شعوب أخرى.

من التبشير بالربيع إلى شتاء الاستقرار

كانت الحكومات الغربية تحتفي بالمشاهد الدخانية في مدن الشرق الأوسط وتصفها بـ"التعبير الحي عن إرادة التغيير"؛ بينما أصبحت تصف المشاهد ذاتها على أراضيها بـ"أعمال الشغب والتطرف والتخريب المنظم".

هذه الازدواجية البصرية لم تعد تنطلي حتى على مواطنيها؛ فاللغة البصرية المتمردة لا تعترف بالحدود؛ ولا بالمعايير المزدوجة.

حين تفكك رمزية "هيبة الدولة" لصالح تأليه الفوضى كفعل خلاص لا يمكنك أن تطلب من النار أن تتوقف عند حدودك الجغرافية.

إن التهيئة لكسر الدول ليست تقنية محكمة التوجيه يمكن التحكم في مدى مقذوفها؛ إنها بذور استعداء تُزرع في التربة الثقافية الشاملة.

واليوم، تقف المنظومات الغربية أمام مرآتها الخاصة؛ تشاهد نفس ألسنة اللهب التي كانت تمول شاشاتها وتشجع أبطالها؛ ولكن هذه المرة داخل بيتها الداخلي.

المجتمع الغربى منصات التواصل الاجتماعي الربيع العربي الشرق الأوسط ⇧