الأربعاء 7 أكتوبر 2026 10:44 صـ 24 ربيع آخر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

سياسة

تكتل مسلح واسع يهدد العاصمة.. سياسات ”آبي أحمد” تضع إثيوبيا على شفا التفكك وتفجر صراعات الإقليم| فيديو ماعت يكشف التفاصيل

لم تعد الأزمة الإثيوبية مجرد خلاف سياسي عابر بين الحكومة المركزية وبعض القوى المعارضة، وإنما باتت أمام مشهد شديد التعقيد تتشابك فيه الحسابات السياسية مع التحركات العسكرية، وتتقاطع فيه الصراعات القومية مع المصالح الإقليمية، بينما تتسع دائرة القوى الرافضة لسياسات الحكومة الفيدرالية.

ومع ظهور تحالفات تضم فصائل وحركات مسلحة من أقاليم وقوميات مختلفة، تزداد الأسئلة حول مستقبل التوازن الداخلي في إثيوبيا، ومدى قدرة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد على احتواء هذه التطورات، خصوصاً في ظل استمرار الملفات الخلافية التي لم تجد طريقها إلى تسويات نهائية.

وفي تقرير مصور، تستعرض مجموعة «ماعت» تفاصيل المشهد الإثيوبي، وخلفيات التحركات المسلحة، وانعكاساتها المحتملة على مستقبل الدولة وعلاقاتها بمحيطها الإقليمي.

شاهد الفيديو:

https://www.youtube.com/watch?v=MZ3vzYpiLT4

إثيوبيا أمام خريطة جديدة للصراع

تبدو التطورات الأخيرة لافتة بالنظر إلى طبيعة القوى التي تتحرك في مواجهة الحكومة المركزية. فوفقاً لما أورده تقرير «ماعت»، ظهر تكتل تحت اسم «قوات الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، يضم سبع حركات وفصائل معارضة تنتمي إلى مناطق وقوميات متعددة.

ويضم التكتل، بحسب التقرير، جبهة تحرير شعب تيجراي، وقوات «فانو» الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب حركات من أقاليم العفر وبني شنقول-جموز والصومال.

وتكمن خطورة هذا التطور في أن تعدد القوى المشاركة يعني اتساع نطاق الأزمة جغرافياً وسياسياً، كما أن اجتماع أطراف ذات خلفيات مختلفة تحت هدف مشترك يعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة المركزية.

ومع ذلك، فإن اختلاف مصالح هذه القوى وأجنداتها يظل عاملاً مهماً في تحديد مدى قدرتها على الاستمرار في العمل المشترك، إذ إن التحالفات العسكرية والسياسية في البيئات شديدة التنوع قد تواجه بدورها اختبارات صعبة تتعلق بتوزيع النفوذ والأهداف المستقبلية.

آبي أحمد أمام إرث من الأزمات

منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة، شهدت إثيوبيا تحولات سياسية كبيرة أعادت تشكيل موازين القوى داخل البلاد.

وقد دخلت الحكومة الفيدرالية في مواجهات متتالية مع قوى إقليمية مختلفة، كان أبرزها الصراع مع جبهة تحرير شعب تيجراي، الذي تحول في نوفمبر 2020 إلى حرب واسعة النطاق.

وانتهت المواجهات باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، وهو الاتفاق الذي أوقف العمليات العسكرية واسعة النطاق ومهد لمرحلة جديدة من التسوية.

لكن السلام لم يكن نهاية جميع الخلافات؛ فقد بقيت ملفات نزع السلاح، والحدود، والنازحين، وترتيبات الإدارة المحلية، والعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، بحاجة إلى معالجة مستمرة.

ومن هنا، فإن عودة التوترات لا يمكن فصلها عن تعقيدات المرحلة التي أعقبت الحرب، وعن الصعوبات التي تواجهها الدولة في بناء توافق سياسي طويل الأمد.

تعدد القوميات يضاعف صعوبة الحل

تتميز إثيوبيا بتنوع قومي ولغوي واسع، وهو تنوع انعكس تاريخياً على طبيعة النظام السياسي وعلى توزيع السلطة بين المركز والأقاليم.

ولهذا فإن أي خلاف سياسي بين الحكومة المركزية وأحد الأقاليم يمكن أن يتحول سريعاً إلى قضية تتعلق بالهوية والحقوق المحلية والنفوذ السياسي.

وتزداد صعوبة إدارة هذه الملفات عندما تكون لدى بعض القوى المحلية أجنحة مسلحة تستطيع فرض حضورها على الأرض.

وفي هذه الحالة، يصبح التحدي أمام الحكومة مزدوجاً: الحفاظ على سلطة الدولة من جهة، وتجنب تحويل الإجراءات الأمنية إلى وقود لمزيد من التوتر من جهة أخرى.

كما تواجه القوى المعارضة بدورها مسؤولية كبيرة، تتمثل في تحديد أهدافها السياسية بوضوح، والقدرة على الانتقال من العمل العسكري إلى الحوار إذا توافرت الظروف المناسبة.

العفر.. الموقع الذي يربط إثيوبيا بالعالم

يبرز إقليم العفر باعتباره أحد أهم مفاتيح الأزمة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما لارتباطه المباشر بحركة التجارة الإثيوبية.

فإثيوبيا دولة غير ساحلية، وتعتمد بشكل كبير على موانئ جيبوتي لتأمين جزء رئيسي من احتياجاتها التجارية، الأمر الذي يجعل الطرق والممرات التي تمر عبر العفر ذات أهمية استراتيجية.

ولهذا فإن أي اضطراب واسع في الإقليم قد ينعكس على حركة السلع والوقود والإمدادات، وقد يزيد الضغوط الاقتصادية على الحكومة.

وتتحول السيطرة على الطرق والممرات التجارية في مثل هذه الظروف إلى ورقة ضغط تتجاوز الحسابات العسكرية، لأنها تمس قدرة الدولة على الحفاظ على دورة الاقتصاد وتأمين احتياجات الأسواق.

ومن هنا، فإن تمدد الصراع نحو العفر يمثل تطوراً يستحق المتابعة، نظراً لما يمكن أن يحمله من تداعيات على الداخل الإثيوبي وعلى دول الجوار.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي في قلب الأزمة

لا يمكن قراءة الأزمة الإثيوبية بمعزل عن التحولات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي.

فالحاجة الإثيوبية إلى منفذ بحري أصبحت واحدة من أبرز القضايا الاستراتيجية بالنسبة للحكومة، خصوصاً مع اعتماد البلاد على الموانئ الخارجية.

وقد أثارت تحركات أديس أبابا للحصول على منفذ بحري توترات مع عدد من دول المنطقة، خاصة بعد الاتفاق الذي أعلنته مع إقليم أرض الصومال.

وترى الحكومة الصومالية أن أي اتفاق يمس أراضيها أو سيادتها يمثل قضية بالغة الحساسية، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بين مقديشو وأديس أبابا.

وفي الوقت نفسه، تظل العلاقة مع إريتريا من الملفات الحساسة، خاصة في ظل التاريخ الطويل من الصراعات والخلافات بين البلدين.

وبذلك أصبحت الأزمة الإثيوبية جزءاً من شبكة أوسع من التنافسات الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر والموانئ والتجارة والأمن الحدودي.

السودان.. ملف آخر يزيد التعقيدات

تمثل الحرب السودانية عاملاً إضافياً في حسابات إثيوبيا والمنطقة.

فالسودان وإثيوبيا يرتبطان بحدود طويلة وملفات مشتركة، كما أن استمرار الحرب السودانية يفرض تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية على دول الجوار.

وتدور اتهامات ومواقف متباينة بشأن مواقف القوى الإقليمية من أطراف الصراع السوداني، وهو ما يزيد حساسية العلاقات بين دول المنطقة.

ولهذا فإن أي تصعيد داخلي في إثيوبيا يأتي في وقت تعاني فيه المنطقة بالفعل من أزمات متعددة، الأمر الذي يضاعف المخاوف من انتقال تأثيرات الصراعات عبر الحدود.

المسيرات.. تحول جديد في طبيعة المواجهة

ومن التطورات التي تستحق التوقف عندها ما تردد بشأن استخدام الطائرات المسيرة في استهداف مواقع عسكرية إثيوبية.

وقد أشارت تقارير إلى استهداف قاعدة جوية في وقت كان رئيس الوزراء آبي أحمد موجوداً فيها، إلا أن الحديث عن محاولة اغتيال مباشرة يظل بحاجة إلى تأكيد رسمي وأدلة مستقلة.

لكن بعيداً عن تفاصيل الواقعة، فإن انتشار الطائرات المسيرة في الصراعات الأفريقية يعكس تحولاً مهماً في أدوات الحرب الحديثة.

فالمسيرات تستطيع تنفيذ عمليات بعيدة نسبياً وبتكلفة أقل من الطائرات التقليدية، كما يمكن استخدامها للاستطلاع والهجوم، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة أمام الجيوش والحكومات.

ويعني ذلك أن الصراع الإثيوبي، إذا اتسع، قد يشهد أنماطاً أكثر تعقيداً من المواجهة العسكرية.

بني شنقول-جموز.. ملف قابل للاشتعال

وتبقى التطورات في بني شنقول-جموز من الملفات التي تزيد حساسية المشهد، في ظل وجود قضايا مرتبطة بالحدود والهوية والسيطرة المحلية.

وأي تصعيد في الإقليم يمكن أن يضيف جبهة جديدة إلى قائمة التحديات التي تواجه الحكومة.

غير أن التعامل مع سيناريو تفكك الدولة الإثيوبية يحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ فوجود نزاعات مسلحة أو مطالب محلية لا يعني بالضرورة أن الدولة تتجه حتماً إلى الانهيار.

لكن استمرار الصراعات لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى إضعاف المؤسسات، وزيادة نفوذ القوى المحلية المسلحة، وتعقيد عملية اتخاذ القرار على المستوى الوطني.

هل تنجح التسوية السياسية؟

في النهاية، تبدو الأزمة الإثيوبية أمام مفترق طرق حقيقي.

فالحل العسكري قد يحقق مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور الخلافات المتعلقة بالسلطة والهوية والموارد والحدود.

أما المسار السياسي، فيحتاج إلى استعداد من مختلف الأطراف لتقديم تنازلات والوصول إلى صيغة تضمن مشاركة الأقاليم والقوميات في إدارة الدولة، مع الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية.

كما تحتاج إثيوبيا إلى معالجة الملفات التي خلفتها حرب تيجراي، وتثبيت ترتيبات السلام، وتوسيع الحوار الداخلي، وتقليل الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها.

وفي المقابل، فإن القوى المعارضة مطالبة بتوضيح رؤيتها لمستقبل الدولة، وما إذا كانت أهدافها تتركز على تغيير الحكومة أم إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم أم المطالبة بمزيد من الحكم الذاتي.

أزمة إثيوبية بتداعيات إقليمية

ما يحدث في إثيوبيا لا يهم الإثيوبيين وحدهم، فالدولة تقع في قلب منطقة استراتيجية ترتبط بالبحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي، وتجاور دولاً تواجه بدورها أزمات سياسية وأمنية.

ومن ثم، فإن أي اتساع للصراع الداخلي قد تكون له انعكاسات على حركة التجارة، وأمن الحدود، والهجرة، والاستقرار الإقليمي.

وفي المقابل، فإن الوصول إلى تسوية سياسية شاملة يمكن أن يمثل نقطة تحول مهمة نحو استعادة الاستقرار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام التنمية الاقتصادية.

ويبقى مستقبل المشهد الإثيوبي مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز منطق الصراع المفتوح، والانتقال إلى حوار سياسي يعالج جذور الأزمة.

فالسؤال لم يعد فقط حول مستقبل حكومة آبي أحمد، وإنما حول قدرة الدولة الإثيوبية نفسها على الحفاظ على توازنها الداخلي وسط تعدد القوى والمصالح والأزمات.

وبينما تتابع دول المنطقة هذه التطورات بقلق، تظل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه المشهد: نحو تسوية سياسية تعيد ترتيب العلاقة بين المركز والأقاليم، أم نحو مزيد من التصعيد الذي قد يجعل الأزمة الإثيوبية أكثر ارتباطاً بأزمات القرن الأفريقي بأكمله.