عيد المعلم: من تقاليد توقير المعلم إلى أسئلة العصر
بقلم - لو يينغ بوه، أستاذ بجامعة اللغات والثقافة ببكين
إن تقليد توقير المعلم وتعظيم شأن التعليم في الصين أقدم بكثير من ظهور مفهوم «عيد المعلم» بصورته الحديثة.فمنذ أكثر من ألفي عام، أقام كونفوشيوس حلقاته التعليمية، وطرح مبدأ «التعليم بلا تمييز»، ففتح بذلك أبواب المعرفة أمام فئات أوسع من الناس، متجاوزًا حدود المكانة الاجتماعية والانتماء الطبقي.
ومنذ ذلك الحين، احتل المعلم منزلة خاصة في الثقافة الصينية. وقد قال الأديب والمفكر هان يوي: «المعلم هو من ينقل الطريق، ويعلّم المعارف، ويبدد الحيرة».
وفي هذه العبارة الموجزة تتجسد ثلاثة أبعاد أساسية لرسالة المعلم في الفكر الصيني التقليدي: فهو لا يكتفي بنقل المعرفة والإجابة عن الأسئلة، بل ينهض، قبل ذلك كله، بمهمة «نقل الطريق»، أي مساعدة الإنسان على فهم العالم، وعلى إدراك أي إنسان ينبغي له أن يكون.
ومع دخول الصين العصر الحديث، مر عيد المعلم بمراحل متعددة قبل أن يستقر على صورته الراهنة. ففي عام 1931، اقترح عدد من رجال التربية والتعليم اتخاذ السادس من يونيو عيدًا للمعلم، أملاً في تحسين أوضاع المعلمين والارتقاء بمكانتهم الاجتماعية. وفي عام 1939، تقرر اعتماد السابع والعشرين من أغسطس، الذي كان يُعد آنذاك ذكرى ميلاد كونفوشيوس، عيدًا للمعلم.
اقرأ أيضاً
الحرب الباردة 2.0 ومصر مفتاحها: هل يتكرر سيناريو الطلاق الصيني-السوفيتي؟
شوبير يكشف أسباب غضب جماهير الأهلي.. ويوجه رسالة نارية إلى عموتة
البابا ليو الرابع عشر يجدد دعم الفاتيكان لـ ”منصة الحوار” ومركز ”كايسيد” لتعزيز التعايش في العالم العربي
محمد شبانة يكشف أزمة الأهلي بعد التعادل مع المقاولون: بيراميدز في حتة تانية
عموتة يوضح حقيقة أزمته مع علي محمود ويتحمل مسؤولية تعادل الأهلي أمام المقاولون
جامعة برج العرب التكنولوجية تستضيف تدريبًا فنيًا دوليًا في تكنولوجيا الغزل والنسيج
إمام عاشور يقترب من العودة.. عموتة يضع نجم الأهلي ضمن حساباته أمام المقاولون
تونس تتسلم رئاسة الجامعة العربية.. النفطي: نواجه تحديات تستوجب وحدة الصف العربي
وزير الخارجية اللبناني: أمن الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمننا القومي
صراع القمة يشتعل.. 8 مواجهات نارية في الجولة الرابعة من الدوري المصري
جورج قرداحي يطلق شارة بدء ماراثون برج العرب الجديدة
قيادي بحماة الوطن: العلاقات المصرية السعودية نموذج للعمل العربي المشترك وركيزة أساسية لاستقرار المنطقة ووحدة المصير
وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، جرى عام 1951 دمج عيد المعلم مع عيد العمال العالمي في الأول من مايو. ثم في 21 يناير 1985، قررت الدورة التاسعة للجنة الدائمة للمجلس الوطني السادس لنواب الشعب رسميًا اعتماد العاشر من سبتمبر من كل عام عيدًا للمعلم. وفي العاشر من سبتمبر من العام نفسه، احتفلت الصين الجديدة بأول عيد رسمي للمعلمين.
وليس اختيار العاشر من سبتمبر أمرًا خاليًا من الدلالة. فسبتمبر هو شهر بدء العام الدراسي الجديد، حيث تفتح الفصول أبوابها من جديد، ويلتقي الطلاب بمعلميهم، وتبدأ رحلة جديدة مع المعرفة.
ومن ثم فإن جعل «توقير المعلم واحترام التعليم» من أولى القيم التي يستقبل بها الطالب عامه الدراسي يحمل في ذاته معنى تربويًا عميقًا. ولهذا، لا يعد عيد المعلم مناسبة تخص المعلمين وحدهم، بل هو أيضًا يوم يجدد فيه المجتمع احترامه للتعليم، ويعبر فيه عن تقديره للمعرفة ولمن يحملون رسالتها.
غير أن الحديث عن عيد المعلم اليوم يضعنا أمام سؤال أكثر عمقًا: لماذا ما زلنا بحاجة إلى المعلم في عصر أصبحت فيه المعرفة أكثر سهولة وتدفقًا من أي وقت مضى؟
في الماضي، كان جانب مهم من مكانة المعلم نابعًا من امتلاكه معرفة لا تتوافر بسهولة لغيره. فقد كان الحصول على كتاب أمرًا شاقًا، وفهم مسألة معقدة قد يتعذر من دون من يشرحها، وتعلم لغة أجنبية يكاد يكون مستحيلاً من دون معلم يقود المتعلم خطوة بخطوة.
أما اليوم فقد تبدل المشهد بصورة جذرية؛ فمحركات البحث، والدورات التعليمية عبر الإنترنت، والذكاء الاصطناعي قادرة على تقديم كم هائل من المعلومات خلال ثوان معدودة.
وإذا اختُزل دور المعلم في مجرد «تقديم الإجابة»، فلا شك أن جانبًا من وظائفه التقليدية قد أصبح عرضة لأن تحل التكنولوجيا محله.
لكن المفارقة أن هذا التحول نفسه يجعل القيمة الحقيقية للمعلم أكثر وضوحًا.
فالآلة تستطيع أن تقدم لك إجابة، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تقول لك أي الأسئلة أحق بأن تُطرح. ويمكنها أن تجمع المعلومات وترتبها، لكنها لا تستطيع أن تعيش مكان الإنسان لحظات الحيرة والإخفاق والاختيار، ولا أن تبني نيابة عنه حكمه الخاص على الأشياء. كما يمكنها أن تحسب المسار الأكثر كفاءة، لكنها لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الأعمق: لماذا أتعلم؟ أي إنسان أريد أن أصبح؟ ولأي غاية ينبغي أن أستخدم ما أملكه من معرفة؟
ذلك أن التعليم، في جوهره الأعمق، لم يكن يومًا مجرد انتقال للمعلومات من عقل إلى عقل، بل هو تأثير إنسان في إنسان، وحياة في حياة.
وما يتركه المعلم الجيد في طلابه لا يتمثل، في كثير من الأحيان، في معلومة يحفظونها سنوات طويلة، بل في طريقة ينظرون بها إلى العالم وإلى أنفسهم. إنه يعلمهم أن يحافظوا على العقلانية في مواجهة القضايا المعقدة، وأن يسعوا إلى الفهم حين يواجهون حضارات وثقافات مختلفة، وألا يفقدوا الشجاعة في لحظات الإخفاق، وأن يظلوا متواضعين كلما اتسعت معارفهم، وألا يفقدوا القدرة على التعاطف مع الآخرين مهما حققوا من نجاح. وفي هذه الجوانب التي يصعب اختزالها في أرقام ومؤشرات، تتجلى القيمة التي لا يمكن الاستغناء عنها للمعلم.
ومن هنا، فإن معنى عيد المعلم لا ينبغي أن يتوقف عند الزهور والتهاني وعبارات الشكر. فالمجتمع الذي يحترم المعلم ويقدر التعليم حقًا لا يكتفي بمدح المعلمين في مناسبة عابرة، بل يحترم طبيعة العملية التعليمية وقوانينها، ويقدر الاستقلال المهني للمعلم، ويهيئ له مناخًا يستطيع فيه أن يقرأ بهدوء، ويحضر دروسه بجدية، ويتفرغ للبحث والتفكير، كما يمنح المكانة والكرامة لمن يكرسون أعمارهم لإنارة العقول وبناء الإنسان.
ومن مدرسة كونفوشيوس القديمة إلى الفصول الذكية في عصرنا، تغيرت أشكال التعليم ووسائله، لكن جوهره الإنساني لم يتغير.
فالإنسان يحتاج إلى المعرفة كي يرى العالم بوضوح، ويحتاج كذلك إلى القدوة كي يعرف كيف يسير فيه. وهو يحتاج إلى أن يتعلم كيف يكسب عيشه، لكنه يحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى أن يتعلم كيف يكون إنسانًا.
ولهذا، فإن عيد المعلم لا يذكرنا فحسب بأن نقول للمعلمين: شكرًا، بل يدعونا إلى تجديد إيمان بسيط وعميق في آن واحد: إن الطريقة التي ينظر بها مجتمع ما إلى معلميه تكشف عن نظرته إلى المعرفة، والطريقة التي يتعامل بها مع التعليم تكشف، إلى حد بعيد، عن الصورة التي يريد أن يصنع بها مستقبله.

