الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 07:42 مـ 25 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

الدكتور محمد حسين يكتب: شجرٌ يُقطع.. وحقٌّ يُسلب: عندما تغتال الخرسانة رئة الوطن




لم تعد حماية البيئة مجرد رفاهية أو مجرد ملف إداري نتعامل معه في أوقات الفراغ، بل هي أصل من أصول حقنا في الحياة. الحق في هواء نقي وبيئة آمنة ليس مجرد شعار، بل هو ما نصت عليه المواثيق الدولية منذ مؤتمر استوكهولم عام 1972 وحتى اتفاقية باريس للمناخ، وهو نفس الحق الذي ألزمت به المادة (45) من الدستور المصري الدولة بحماية المساحات الخضراء وتنميتها. وتضمن المادة (46) لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وتؤكد أن حمايتها واجب وطني. وتُلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها. وتحظر المادة (28): من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته) بوضوح قطع أو إتلاف أو ممارسة أي نشاط من شأنه الإضرار بالنباتات والمحميات والغطاء الطبيعي، وقضت المادة (84) من ذات القانون بمعاقبة كل من يخالف أحكام المادة (28) المشار إليها بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
لكن الأمر يتجاوز حدود النصوص القانونية الجافة؛ فالأشجار في مدننا ليست مجرد قطعة ديكور. إجتماعيًا ونفسيًا، تشكل هذه المساحات المتنفس الوحيد للناس وسط زحام الخرسانة والتلوث البصري الذي يحاصرنا من كل جانب. وإيكولوجيًا، تقف الأشجار المعمرة كحائط صد طبيعي يخفف من لَهيب درجات الحرارة ويمتص السموم من الهواء، مما ينعكس مباشرة على صحة الناس وميزانيات الرعاية الصحية. أما على المستوى الإنساني والثقافي، فإن قطع شجرة معمرة عاشت عقودًا بيننا هو اقتطاع جزء من ذاكرة الشارع وهويته البصرية.
من هنا، فإن ما نراه اليوم من تجريف واسع للأشجار في عدة مناطق بمصر يثير تساؤلات حقيقية ومؤلمة. غالبية عمليات القطع تُبرر بحجج جاهزة مثل "توسعة المحاور المرورية" أو "استغلال المساحات تجاريًا"، وسط غياب واضح للتنسيق بين المحليات والجهات البيئية. لكن المشكلة الأكبر تكمن في فلسفة إدارة الموقف نفسها؛ إذ نرى إصرارًا على التخطيط العمراني الفوقي الذي يفضل الحلول الهندسية السريعة والخرسانة الصماء على حساب الأثر البيئي وحياة السكان.
هناك فجوة هائلة بين ما نسمعه عن التنمية المستدامة والمبادرات الخضراء، وبين ما يجري على الأرض من اقتلاع لرئة المدن. إن غياب الحوار مع المواطنين وتهميش دراسات الأثر البيئي قبل بدء المشروعات يرسخ شعورًا قاسيًا لدى الناس: وهو أن المنفعة الإسفلتية المؤقتة أصبحت أهم بكثير من حق الإنسان البسيط في شجرة تظله وهواء نقي يتنفسه.

[email protected]