لماذا أصبح الجميع غاضبًا؟
سكندريات : عيد وحيدة
لم تعد الخناقة تحتاج إلى سبب كبير.
كلمة عابرة في الشارع قد تتحول إلى مشادة، تأخير دقائق في طابور قد يشعل غضبًا، سائق يطلق آلة التنبيه بلا توقف، موظف يرد بجفاء، زبون يفقد أعصابه أمام عامل، زوجان يتشاجران لأسباب تبدو تافهة، وأشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا يدخلون في معارك كاملة بسبب موقف كان يمكن أن ينتهي بكلمة «معلش».
السؤال هنا ليس: لماذا أصبح الناس عصبيين؟
اقرأ أيضاً
صحفي تركي: محمد صلاح غيّر وجه طرابزون سبور وأصبح رمزًا للمدينة
رئيس إمكان IMKAN: الاستدامة لم تعد تكلفة إضافية والعوائد الخضراء أصبحت ركيزة لتعظيم القيمة الاستثمارية
قوة تدوم أكثر: لماذا يقدم vivo Y500 أكبر بطارية في فئته السعرية؟
محمد مختار جمعة: مصر أصبحت دولة قانون ومؤسسات.. ولا مجال للمحسوبية والوساطة
قنبلة أمريكية تمحو أسرة إيرانية كاملة.. لماذا استُهدف هذا المنزل؟
لماذا تكررت قصة موسى كثيرًا في القرآن؟.. عالم أزهري يُجيب
الخارجية الإيرانية: ملتزمون بحسن الجوار.. وندعو لتطبيق مبادئ الأخوة الإسلامية على الجميع
إمام بالأوقاف: لم أكن أعلم أن تشجيع الأهلي أصبح الركن السادس للإسلام
أكثر من مجرد هاتف ذكي... لماذا تُعد سلسلة vivo X300 الرفيق المثالي لكل مُبدع؟
لماذا عجز إخوة يوسف عن معرفته رغم ملامحه المألوفة؟.. عالم أزهري يُجيب
«أمنيتي أدخل كلية الشريعة والقانون قسم شريعة وأصبح مدرسا للمواد الشرعية».. مهند سامح ثالث الجمهورية بالقسم الأدبي دمج في الثانوية الأزهرية
لماذا ماتش المونديال 2026 من دور 16 انقلب ماتش درامي جدا ؟
السؤال الأصعب: ماذا حدث لنا حتى أصبح الغضب هو رد الفعل الأول؟
نحن نعيش في زمن يبدو فيه الجميع مستنزفًا. شخص يخرج من منزله وهو يحمل فوق كتفيه قائمة طويلة من الالتزامات، ومصاريف لا تنتهي، وقلقًا على المستقبل، وضغطًا في العمل، ومشكلات داخل البيت، وأخبارًا ثقيلة يتابعها طوال اليوم.
لكن المفارقة أن الإنسان لم يعد ينتظر حتى يصل إلى بيته كي يفرغ غضبه.
لقد أصبح الشارع نفسه مساحة للتنفيس.
والغريب أن كثيرًا من المعارك اليومية لا يكون سببها الحقيقي هو الموقف الذي بدأت بسببه. قد يغضب شخص من سائق لأنه تأخر أمامه، بينما غضبه الحقيقي ربما بدأ قبل ذلك بساعات بسبب مشكلة في العمل. وقد تنفجر أم في وجه أبنائها بسبب كوب مكسور، بينما ما بداخلها أكبر بكثير من الكوب.
نحن أحيانًا لا نغضب من اللحظة.. نحن نغضب من كل ما سبقها.
والأخطر أن الغضب أصبح معديًا.
وجه متجهم يستقبل وجهًا متجهمًا، وكلمة حادة تستدعي كلمة أشد، ونبرة عصبية تنتقل من شخص إلى آخر، حتى يتحول موقف صغير إلى دائرة كاملة من العدوان.
حتى الأماكن التي يفترض أن تمنح الإنسان بعض الهدوء لم تعد بعيدة عن ذلك.
في أماكن العمل، أصبح كثيرون يعملون وهم يشعرون أنهم في سباق دائم مع الوقت. في المواصلات، يقضي الناس ساعات طويلة وسط الزحام والضوضاء. وفي البيوت، يدخل البعض منهكًا فلا يجد مساحة حقيقية للراحة، بينما تستمر الهواتف في ضخ الأخبار والمشكلات والمقارنات إلى آخر لحظة قبل النوم.
وهنا يظهر سؤال آخر:
هل نحن أمام مجتمع عصبي فعلًا، أم أمام مجتمع مرهق لم يعد يملك طاقة كافية للتحمل؟
الفرق كبير.
فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط مستمر قد تصبح قدرته على ضبط انفعالاته أقل، وقد يتحول الأمر مع الوقت إلى أسلوب حياة. يصبح الصراخ طبيعيًا، والرد القاسي عاديًا، والاعتذار ضعفًا، والهدوء شيئًا نادرًا.
ومع الوقت، نبدأ في تبرير ما لا ينبغي تبريره.
«أصل الناس كلها عصبية».
«أصل الدنيا بقت صعبة».
«أصل محدش مستحمل».
لكن صعوبة الحياة لا تجعل إيذاء الآخرين أمرًا طبيعيًا.
ربما نحتاج إلى أن نتوقف قليلًا أمام مشهد بسيط يتكرر كل يوم: شخص غاضب أمامنا، وشخص آخر غاضب خلفه، وثالث ينتظر دوره في الغضب.
لا أحد يعرف ما الذي يحمله الآخر في داخله.
قد يكون الرجل الذي انفجر في وجهك قد خسر شيئًا صباحًا. وقد تكون المرأة التي ردت عليك بعصبية لم تنم جيدًا منذ أيام. وقد يكون الموظف الذي بدا باردًا غارقًا في مشكلة لا تعرف عنها شيئًا.
هذا لا يعني أن نسمح للآخرين بإيذائنا، لكنه يعني أن نفهم شيئًا مهمًا:
لسنا جميعًا في أفضل حالاتنا طوال الوقت.
ربما لا نحتاج إلى مجتمع لا يغضب أفراده؛ فهذا مستحيل.
لكننا نحتاج إلى مجتمع يعرف كيف يتوقف قبل أن يتحول الغضب إلى أذى.
لأن المشكلة الحقيقية ليست أن الناس أصبحت تغضب.
المشكلة أننا بدأنا نعتبر الغضب لغة عادية للحياة.
وفي زمن أصبح فيه الجميع مرهقًا، ربما يكون أكثر ما نحتاج إليه ليس شخصًا ينتصر في كل خناقة، وإنما شخصًا يملك الشجاعة الكافية ليقول:
«معلش.. خلينا نهدا ونتكلم».
فأحيانًا، كلمة واحدة هادئة لا تنهي مشاجرة فقط..
بل تمنع يومًا كاملًا من أن يتحول إلى جحيم.


