”جريمة اسمها تشويه الأب في عيون أبناءه ”
بقلم: د عبير العربي
في زمن أصبحت فيه الخصومات الزوجية تُبث على الهواء مباشرة، لم تعد المأساة في انهيار العلاقة بين الزوجين، وإنما في سقوط آخر الحواجز الأخلاقية التي كانت تحمي الأبناء من صراعات الكبار.
لسنا هنا للدفاع عن أبٍ ظالم، ولا لتبرئة رجلٍ تهرب من مسؤولياته، أو امتنع عن النفقة، أو تنكر لحقوق أبنائه. فالقانون وُجد ليحاسب كل مقصر، والمجتمع لا يقبل أن تُهدر حقوق المرأة أو الطفل تحت أي مبرر.
لكننا، في الوقت نفسه، لا نستطيع أن نقبل أن يتحول الطفل إلى أداة انتقام، أو أن يصبح لسانًا يردد كلمات الكراهية التي يلقنه إياها الكبار.
أي تربية تلك التي تجعل طفلًا يقف أمام كاميرا هاتف ليُوجه السباب إلى أبيه؟ وأي انتصار هذا الذي تشعر به أم، وهي ترى أبناءها يتجردون من أبسط معاني الاحترام، ويعتادون البذاءة باعتبارها وسيلة للتعبير عن الغضب؟
إن الطفل الذي يُدرَّب اليوم على إهانة أبيه، لن يتردد غدًا في إهانة أمه، ثم معلمه، ثم كل من يختلف معه. لأن المشكلة ليست في الأب وحده، وإنما في القيمة التي هُدمت داخل نفس هذا الطفل.
لقد تابعنا خلال الأيام الماضية مشاهد مؤلمة؛ أب يُسب ويُقذف أثناء رؤية أبنائه، وأطفال يُستخدمون في بث مباشر لتصفية الحسابات، وأم تقف بأبنائها أمام مقبرة وتخبرهم أن أباهم هناك، وتغرس في قلوبهم مشاعر الحقد والرفض بدلًا من أن تمنحهم مساحة لفهم الحقيقة بهدوء ورحمة.
أي مجتمع نُنشئه إذا كانت أول مدرسة يتلقى فيها الطفل دروس الكراهية هي بيته؟
الطلاق قد يكون نهاية علاقة بين رجل وامرأة، لكنه لا يجب أن يكون نهاية احترام الأبوة أو الأمومة أمام الأبناء. فمن حق الطفل أن يعرف الحقيقة، ولكن ليس من حق أحد أن يصنع له حقيقة مشوهة، أو أن يحوله إلى قاضٍ يصدر الأحكام قبل أن يكتمل وعيه.
إن تحويل الأبناء إلى أوراق ضغط، أو إلى محتوى لجذب المشاهدات، هو لون جديد من ألوان العنف الأسري، لا يقل خطورة عن الحرمان من النفقة، ولا عن الإهمال، ولا عن الإساءة الجسدية. بل قد يكون أشد أثرًا، لأنه يترك ندوبًا نفسية تبقى سنوات طويلة.
وإذا أخطأ الأب، فليحاسبه القانون، وإذا ظلمت الأم، فلتردعها القوانين أيضًا. أما الأبناء، فيجب أن يبقوا بعيدين عن ساحات الانتقام.
إننا بحاجة إلى حملة مجتمعية عنوانها: "لا تجعلوا أبناءكم يحملون أحقادكم." فالأطفال ليسوا رسائل تهديد، ولا أدوات انتقام، ولا جنودًا في معركة الكبار.
في النهاية... قد ينتصر أحد الزوجين في قضية، وقد يخسر الآخر جولة، لكن حين يخسر الطفل احترام والديه، ويكبر وهو يرى الشتائم لغةً، والانتقام وسيلةً، والكراهية أسلوب حياة... فلا أحد يكون قد انتصر.
المنتصر الحقيقي هو من يحمي طفولة أبنائه، حتى وهو يختلف مع شريك حياته.


