لم يأتوا إلى القاهرة لحضور مؤتمر… بل ليطمئنوا أن الوطن ما زال يعرف أسماءهم
في المطارات لا يحمل المسافرون حقائبهم فقط، بل يحمل كل منهم قصة.
وبين القادمين إلى القاهرة للمشاركة في النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، كانت هناك حكايات بدأت من فيينا، ومن مدن أوروبية أخرى، قبل أن تنتهي عند قاعة واحدة جمعت الوطن بأبنائه.
لم تكن مشاركة أبناء الجالية المصرية في النمسا رحلة بروتوكولية أملتها الدعوات الرسمية، بل كانت استجابة لحنين ظل يبحث عن مساحة يلتقي فيها بالحوار لا بالشعارات، وبالقرار لا بالوعود، وبالمسؤول مباشرة لا عبر الوسيط.
فالذين يعيشون خارج الوطن لا يحتاجون إلى من يذكرهم بحب مصر فذلك شعور لا تغتاله المسافات. لكنهم يحتاجون دائما إلى أن يشعروا بأن الوطن يتذكرهم بالقدر نفسه، ويعرف احتياجاتهم، ويصغي إلى أسئلتهم، ويعامل خبراتهم باعتبارها قيمة مضافة، لا مجرد امتداد جغرافي.
وهنا جاءت قيمة المؤتمر.
على مدى يومين، لم يكن المشهد مجرد منصة يجلس عليها الوزراء، بل بدا وكأنه طاولة وطنية واسعة، جلس حولها أبناء مصر القادمون من أكثر من ثلاثين دولة، يناقشون مستقبل الخدمات، ويقترحون حلولا، ويطرحون أفكارا، فيما كانت مؤسسات الدولة تستمع قبل أن تتحدث.
الجالية المصرية في النمسا كانت جزءا من هذا المشهد لا بوصفها وفدا حضر وسجل اسمه في كشوف المشاركين، وإنما بوصفهم صوت يحمل تجربة المصري الذي يعيش داخل مجتمع أوروبي متقدم، ويريد أن ينقل خبراته إلى وطنه، وأن يرى في الوقت نفسه خدمات أكثر مرونة وسرعة وكفاءة.
ولعل أكثر ما ميز هذه الدورة أن المؤتمر لم يتعامل مع المصريين بالخارج باعتبارهم أصحاب مطالب فقط، بل باعتبارهم شركاء في صناعة الحلول. ولذلك لم يكن إطلاق المبادرات الجديدة، ولا توقيع بروتوكولات التعاون، ولا إعلان تطوير الخدمات القنصلية، هو الخبر الأهم، بل كانت الرسالة الكامنة خلفها
أن الدولة انتقلت من إدارة ملف المصريين بالخارج إلى بناء علاقة مستدامة معهم.
بعد انتهاء الجلسات، لم تكن الأحاديث تدور حول عدد الكلمات التي ألقيت، بل حول ما إذا كانت هذه اللقاءات ستتحول إلى آلية دائمة للتواصل، وهو ما بدا واضح في تأكيد وزارة الخارجية على استمرار اللقاءات المباشرة، والمنصات الرقمية، وتلقي المقترحات، ومتابعة تنفيذ التوصيات.
وكان لافتا أن أصداء المؤتمر تجاوزت قاعاته سريعا، ووصلت إلى أبناء الجاليات الذين لم يتمكنوا من المشاركة.
ومع انتشار الصور والنقاشات وما أعلن من مبادرات، تكررت عبارة واحدة بين كثيرين “كان ينبغي أن نكون هناك.”
وهي شهادة يصعب أن تحققها المؤتمرات التقليدية، لأن أثرها لا يقاس بعدد الحضور، بل بعدد من تمنوا الحضور بعد انتهائها.
لقد أثبتت مشاركة أبناء الجالية المصرية في النمسا أن الغربة لا تقاس بالكيلومترات، بل بمدى حضور الوطن في حياة أبنائه.
وعندما ينجح مؤتمر في أن يجعل المصري يعود إلى بلد إقامته وهو يشعر بأنه أقرب إلى مؤسسات دولته، وأكثر قدرة على الوصول إليها، وأكثر اقتناعا بأن صوته يمكن أن يحدث فرقا، فإن المؤتمر يكون قد تجاوز حدود الفعالية إلى بناء الثقة.
ولعل هذا هو الإنجاز الحقيقي للنسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج أنها لم تكتفِ بجمع المصريين من أنحاء العالم تحت سقف واحد، بل أعادت جمعهم حول فكرة واحدة أن الانتماء ليس ذكرى نحملها في جواز السفر، وإنما علاقة متجددة يصنعها الحوار، وتحميها الثقة، ويعززها وطن يفتح أبوابه لأبنائه مهما ابتعدت بهم المسافات

