الثلاثاء 7 يوليو 2026 08:21 مـ 21 محرّم 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

فن

عمر زهران يكتب : رجاء هانم الجداوي .. خساره فراقك يا جارة

لم أعي جيدًا، وبهذا القدر من الفهم، ما قصده رسولنا الكريم بحديثه الشريف:
"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه"… صدق رسول الله ﷺ.

نعم، تعلمت من عشرتها الجميلة كيف يكون الجار… أهلًا لك، وونسًا حقيقيًا، بل بيتًا وأمانًا.

قبل أن تذهب إلى المستشفى بيوم واحد، أتاني اتصالها بعد صلاة العشاء في أيام رمضان،
سألتني إن كنت بشقتي الكائنة فوق شقتها مباشرة، قائلة لي: "عمر، انزلّي… أنا مستنياك في العربية، عايزة أشوفك، إنتي واحشتني"، وكان بجوارها أميرة ابنتها.
ولسوء حظي، كنت وقتها في طريق عودتي من مدينة 6 أكتوبر، وألححت عليها أن تنتظرني لحين عودتي لأراها، لكنها – وللعجب – كانت قد قررت أن تمر على صديقتيها دلال وميرفت.

وبنفس الكلمات، دعت دلال عبد العزيز للنزول لها لتراها وهي في سيارتها،
في مشهد إنساني رائع قد لا تراه على الشاشات…
نعم، أرادت أن تودعنا في لحظاتها الأخيرة في الحياة.

ثم رحلت إلى العزل… لا لتنعزل، وإنما لتختلي لحظات في خلوة عظيمة أرادها لها المولى سبحانه،
فهكذا صرّحت لي في آخر مكالمة لها من مستشفى العزل بالإسماعيلية – مسقط رأسها التي عشقتها بجنون – حين قالت:
"أنا هنا أقضي معظم وقتي في قراءة والاستماع إلى القرآن… وهي فرصة يا عمر أدعو وأبتهل وأستغفر ربنا".

وشعرت وقتها بأن الله سبحانه وتعالى، بحكمته وقدرته وعظمته، أراد أن يخفف عنا ويؤهلنا جميعًا لصدمة فراقها،
وأن تكون حقًا فرصة عظيمة لها للتطهر من آثام الحياة وزيفها، فظلت تقرأ القرآن وتناجيه وتدعوه ليلًا ونهارًا، حتى أتى أجلها… رحمها الله.

ولا أعتقد أنه كان من قبيل الصدفة أن تختار بنفسها أن تذهب إلى هناك لتنتهي أيامها الأخيرة،
نعم، اختلت وحدها، تاركة وراءها دنيانا بكل ما فيها، لتنهل من عشق آخر وتتأهب لملاقاة الكريم الذي أكرمها عمرًا، بل أعمارًا فوق عمرها.

قد يبدو لنا أنها قد رحلت وحدها…
لا، والذي خلقها ومنحها كل هذا الجمال والكمال… لم ترحل رجاء وحدها، بل صحبها عملها، وإيمانها، وطاقة الحب النادرة التي حباها الله إياها،
وأشواق لنفوس وبشر علمتهم حب السماء وإعمار الأرض بالخير والسلام والأمان النفسي.

كل هذا العشق لرجاء كان قرارها… نعم، هي من قررت أن تزرع في صحراء قلوب كل من قابلتهم واحة من الحب والتسامح،
وأن تنشر بين كل من يعملون معها معاني العفو والصفح، والسمو بأخلاقهم فوق كل مهاترات الحياة.

رجاء لم تعرف في مفردات حياتها حروف الصراع والتآمر واقتناص الفرص، أو القفز على أقدار الآخرين وأرزاقهم.

مرات عديدة تشاجرت معي بسبب نسياني مفتاح باب شقتي في الباب،
وحين انتبه الأمن اتجهوا إليها، فهي كبيرتنا،
ولا أستطيع نسيان غضبها الشديد مني خوفًا عليّ،
بل إنها أتت لي بسلسلة مفاتيح تُثبّت في البنطال حتى لا أنساه… إلى هذا الحد كانت حريصة على الآخرين في دوامة انشغالها.

أذكر أنه أيام أحداث يناير، كان هناك حظر في شوارع المحروسة،
فأقامت في بيتها ما يشبه الصالون الثقافي، لكنه كان صالونًا سياسيًا ووطنيًا إن جاز التعبير،
نتابع فيه جميعًا – ومعظم القريبين منها من سكان العمارة – كل الأحداث،
وكان واضحًا عليها كمّ الهلع والخوف والترقب، من خلال لهثها وراء القنوات، وساعدها إتقانها للغات على متابعة القنوات الأجنبية.

ورغم بقائي معها لساعات طويلة، فما إن يطل ضوء النهار إلا وأستقبل منها اتصالًا لتسأل عن أي جديد… فخوفها على مصر كان بلا حدود.

كان يشغلها كثيرًا سلوكيات الناس، وكانت شخصيتها تتسم بالإيجابية الشديدة،
فكان حرصها على خلق حالة وعي عند الناس أكبر مما يتخيله أحد،
فكثيرًا ما كانت تروي لي مواقف عن تدخلها لوقف تصرفات خاطئة، لتنصح وتوجه، مهما كان سنّ صاحبها،
وكأنها مصلحة اجتماعية شغلها الشاغل هو مواجهة انهيار الأخلاقيات.

ومن الحكايات التي روتها لي موقف أزعجها بشدة أثناء إحدى رحلاتها في مطار القاهرة،
حين مرّت أمام بعض العاملين الجالسين في فترة راحتهم، فقال لها أحدهم بصوت عالٍ: "على فين يا نجمة؟"،
فاستدارت رجاء، وعادت خطوات للخلف، واقتربت منه، وقالت بحسم:
"قوم اقف وأنا بكلمك… أنا مدام رجاء، وما يصحش تكلمني وأنت جالس بالشكل ده، ومش من حقك تسألني رايحة فين… ولو عايز تحيي فنان، لازم يكون عندك ذوق"،
وأصرت على اعتذاره.

رجاء الجداوي لم تكن مجرد فنانة،
بل كانت صاحبة قرار… حياتها كلها كانت قرارات.

حتى عندما قررت الاستقلال بعيدًا عن رعاية خالتها الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا،
كانت تدرك صعوبة القرار وثمنه،
وعاشت أيامًا قاسية وسنوات من المعاناة، لكنها كانت أقوى.

وكانت ترى أن ثروتها الحقيقية هي العلم،
الذي حرصت تحية كاريوكا على أن تمنحها إياه، فأدخلتها أفضل المدارس، واهتمت بإتقانها للغات وقواعد الذوق.

ورغم قسوة تحية عليها، كانت تفعل ذلك بدافع الأمانة والخوف عليها،
بل عارضت عملها بالفن، وقاطعتها لفترة،
حتى أثبتت رجاء موهبتها، فاعترفت بها، وأصبحت أقرب مستشارة لها…
وماتت تحية رحمها الله في أحضان رجاء.

ولا أنسى يوم قابلتها على سلم العمارة بعد إشادة رئيس الجمهورية بها على الهواء،
فبكت أمامي بكاءً لم أره من قبل…
كانت دموع امتنان لمشوار طويل من الاحترام لنفسها ولمهنتها.

كانت ترفض أعمالًا كثيرة، وتقول ببساطة: "ما يصحش يا عمر".

وفي مرة مازحتها عن المال، فقالت لي:
"ورايا ناس غلابة كتير محدش يعرفهم غير ربنا… وأنا متكفلة بيهم".

بجعبتي الكثير عن رجاء…
عن الإنسانة، عن الجارة، عن الأم،
التي تركت لنا أيقونة حب وأخلاق وتقوى.

رحلت بهدوء… لكنها تركت لنا نشيدًا من الخير اسمه:
رجاء الجداوي… رحمها الله .

الفنانة للراحة رجاء الجداوي رجاء الجداوي