الـ3 من يوليو. يوم أراد الشعب أن يبقى الوطن .. فبقيَ
بقلم : د عبير العربي
ليس أخطر ما يواجه الأوطان أن تتعرض للأزمات، وإنما أن تفقد القدرة على التمييز بين طريق النجاة وطريق الهلاك، فهناك لحظات لا تمنح التاريخ فرصة ثانية، ولا تترك للشعوب رفاهية التردد، ولعل الثالث من يوليو كان واحدًا من تلك اللحظات التي وقفت فيها مصر أمام سؤال مصيري: هل تبقى الدولة... أم تبتلعها الفاشية؟
لم يكن المشهد يومها مجرد حدث سياسي عابر، بل كان اختبارًا حقيقيًا لوطن يمتد عمره إلى آلاف السنين، وطن أدرك أبناؤه أن الخلافات مهما بلغت، لا يجوز أن تتحول إلى معول يهدم الدولة، وأن الوطن أكبر من أي جماعة، وأبقى من أي سلطة، وأغلى من أي مكسب مؤقت.
اختارت مصر أن تبقى.
اختارت أن تنحاز إلى الدولة الوطنية، وإلى مؤسساتها، وإلى مستقبل أبنائها، وجاءت استجابة القوات المسلحة لإرادة قطاع واسع من المصريين، لزموا الميادين، ونادوا باستبعاد الجماعة ورئيسها وعشيرتهم، لتفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، عنوانها استعادة الاستقرار والسعي نحو البناء، في مرحلة حملت تحديات كبيرة ومسؤوليات ثقيلة.
ولم يكن الطريق سهلًا، فقد خاضت مصر معركة شرسة ضد الإرهاب، ودفعت ثمنًا غاليًا من دماء أبنائها، بينما كانت في الوقت نفسه تشيد الطرق والكباري، وتبني المدن الجديدة، وتطور الموانئ، وتستثمر في التعليم والصحة والبنية الأساسية، انطلاقًا من رؤية ترى أن قوة الدولة لا تُصان إلا بالتنمية جنبًا إلى جنب مع الأمن.
ومن بين المدن التي جسدت هذه الروح، كانت
" الإسماعيلية" شاهدًا على أن الأرض التي أنجبت أبطال العبور لا تزال قادرة على صناعة الإنجاز. فمن ضفاف قناة السويس، إلى مشروعات التنمية ومحاورها الجديدة، ظل أبناء القناة يقدمون نموذجًا في الانتماء والعمل، مؤمنين بأن حماية الوطن لا تكون بالسلاح وحده، بل بكل يد تبني، وكل عقل يبتكر، وكل مواطن يؤدي واجبه بإخلاص.
سيظل ال3 من يوليو محطة فارقة في الذاكرة الوطنية، ليس لأنه أنهى مرحلة فحسب، بل لأنه فتح بابًا لمرحلة أخرى، لا يزال التاريخ يكتب صفحاتها، وستظل قيمة هذا اليوم مرتبطة بما يحققه المصريون من عمل، وبقدرتهم على الحفاظ على دولتهم قوية، متماسكة، وقادرة على مواجهة التحديات.
فالأوطان لا يحفظها التاريخ وحده، بل يحفظها وعي شعوبها، وحين وعى المصريون قيمة وطنهم، اختاروا أن تبقى مصر، فبقيت.


