السبت 27 يونيو 2026 02:08 صـ 10 محرّم 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

حين تسقط ”عباءة الطفولة” بدم بارد.. هل حان الوقت لتعديل قانون الطفل؟

في غمرة الصدمة التي تركتها جريمة "نورهان" في بورسعيد، والتي انتهت بصدور حكم الإعدام بحقها، يظل الشق الآخر من الجريمة يثير غصّة في القلوب وعلامات استفهام تبحث عن إجابات: كيف يفلت شريكها "الحدث" من سيف الإعدام لمجرد أن شهادة ميلاده تنقص شهوراً عن سن الثامنة عشرة؟
بشاعة التخطيط، والدم البارد، والوعي الكامل بإخفاء معالم الجريمة.. كلها شواهد تؤكد أننا أمام "مجرمين مكتملي الإدراك" وليسوا أطفالاً، ولم تكن قضية بورسعيد الأولى، ولن تكون الأخيرة طالما ظل النص القانوني جامداً أمام تحولات الواقع وبشاعة الجرائم المستحدثة.


لقد صدمت المجتمع مؤخراً كارثة "طفل شبرا الخيمة" والإنترنت المظلم، حين أقدم مراهق يبلغ من العمر 15 عاماً على قتل جار الطفل والتمثيل بجثته وتصوير الجريمة "فيديو كول"، لتكشف التحقيقات أن المحرض والمشتري الحقيقي للفيديو هو طفل مصري آخر مقيم في الخارج يبلغ من العمر 15 عاماً أيضاً، خطط وأدار الجريمة عن بُعد عبر "الدارك ويب" والعملات المشفرة. وأمام هذا المخطط الشيطاني، كيف يُعامل هؤلاء كـ "أطفال" وعقولهم وتدبيرهم يتجاوزان أعتى المجرمين البالغين؟
يعيدنا هذا المشهد أيضاً إلى قضية "شهيد الشهامة" محمود البنا، حينما أقدم المتهم "محمد راجح" وثلاثة آخرون على قتل شاب في عمر الزهور بدم بارد في المنوفية، ورغم الغضب الشعبي العارم، حالت نصوص قانون الطفل دون صدور حكم بالإعدام، وقضت المحكمة بالعقوبة القصوى المتاحة للحدث وهي السجن 15 عاماً. كما يتكرر الأمر مع الحدث حسين، شريك جريمة بورسعيد، الذي لم يتجاوز الـ 15 عاماً لكنه امتلك من التخطيط والجرأة ما يجعله يشارك في إنهاء حياة والدة صديقته بدم بارد، لتكون النتيجة القانونية هي الإيداع في مؤسسة عقابية بينما نالت شريكته الإعدام. بل إن الأمر امتد إلى استغلال هذه الثغرة قانونياً في جرائم "تأجير الأطفال" في الخصومات الثأرية، حيث تلجأ بعض العائلات لدفع المراهقين دون الثامنة عشرة لارتكاب جرائم القتل العمد، ثقةً منهم في أن سيف العدالة لن يطال رقابهم بالإعدام.


إن طفل القرن الحادي والعشرين، في زمن الانفتاح الرقمي والتكنولوجي، لم يعد كطفل العقود الماضية. والمجرم الذي يمتلك القدرة على رصد ضحيته، وتحديد ساعة الصفر، واختيار أداة القتل، وإخفاء أدلة الجريمة، والتعامل مع تكنولوجيا معقدة، هو شخص أسقط بنفسه وبأفعاله عباءة الطفولة. القانون الجنائي وُجد لحماية المجتمع وتحقيق الردع العام، وعندما تتحول حصانة الطفل إلى ملاذ آمن للمجرمين، يصبح التعديل التشريعي ضرورة حتمية لا رفاهية.


الحل هنا لا يكمن في إلغاء قانون الطفل تماماً، بل في تطعيمه بمرونة قضائية تمنح المحاكم سلطة تقدير الإدراك والتمييز الفعلي في جنايات الدم، كالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. ويتبلور المقترح التشريعي المطالب به في أنه إذا تجاوز المتهم سن الـ 15 عاماً، وثبت من واقع تقارير الطب النفسي الشرعي واكتمال وعيه تخطيطه للجريمة بدم بارد، يسقط عنه وصف الطفولة ويُعامل معاملة البالغين أمام محكمة الجنايات.


لقد آن الأوان أن يتواكب النص التشريعي مع وعي وبشاعة الجريمة المعاصرة، لتكون العقوبة على قدر الجرم، ولكي يطمئن المجتمع بأن سيف العدالة ناجز ومستقيم، لا تمنعه ورقة رسمية من القصاص العادل للضحايا.

اعدام نورهان الطفل حسين جريمة شبرا قانون الطفل