كندا تعيد رسم بوصلتها الجيوسياسية باتجاه أوروبا
تشهد الساحة الدولية في الآونة الأخيرة تطورات لافتة ضمن أخبار الولايات المتحدة وعلاقاتها مع حلفائها التقليديين، أبرزها ما يجري بين واشنطن وأوتاوا من تصدع غير معتاد في العلاقة عبر الأطلسي. ففي مواجهة السياسات الحمائية والضغوط الجمركية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يقود رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تحولاً استراتيجياً يوصف بأنه الأجرأ في تاريخ أميركا الشمالية الحديث، عبر محاولة إعادة توجيه البوصلة الكندية نحو القارة الأوروبية.
مبادرة "العضو المنتسب"
المبادرة التي باتت تُعرف في الأوساط الدبلوماسية باسم "مقامرة كارني" لا تقتصر على اتفاقيات تجارية تقليدية، بل تسعى -بحسب ما تم تداوله- إلى صياغة وضع قانوني وسياسي مبتكر يمنح كندا صفة "عضو منتسب" في الاتحاد الأوروبي، بما يفتح الباب أمام دمج اقتصادها تدريجياً في السوق الأوروبية الموحدة التي تُقدَّر قيمتها بنحو 21 تريليون دولار.
ولعقود طويلة اعتمدت كندا في استقرارها الاقتصادي على جوارها مع الولايات المتحدة، إذ توجه نحو 70% من صادراتها إلى السوق الأميركية. غير أن عودة ترمب إلى البيت الأبيض وما تبعها من حرب تجارية بين الحليفين دفعا أوتاوا، وفق ما تناقلته تقارير، إلى البحث عن مسار بديل يقوم على تفكيك مفهوم العضوية إلى عشرات الوظائف والشبكات، من دون الانخراط الكامل في الالتزامات السيادية.
وتتركز هذه الرؤية على قطاعات استراتيجية عدة، من بينها:
-
دمج احتياطيات الليثيوم والنيكل والكوبالت الكندية في سلاسل الإمداد الأوروبية.
-
بناء تحالف تقني مشترك في مجالات الذكاء الاصطناعي وحوسبة البيانات.
-
فتح عقود المشتريات العسكرية الكندية أمام الصناعات الدفاعية الأوروبية.
-
مد خطوط أنابيب وكابلات بحرية جديدة تربط الساحل الأطلسي الكندي بأوروبا مباشرة.
كما طُرحت في محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فكرة منح الكنديين تسهيلات للإقامة والعمل في دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب السعي لإدراج الجامعات الكندية ضمن برامج مثل "إيراسموس+". ولخّص الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب هذا التوجه بتساؤله العلني عمّا إذا كان أجمل أن تصبح كندا "الولاية الثامنة والعشرين للاتحاد الأوروبي" بدلاً من أن تُعامل كملحق بالولايات المتحدة.
ملف آخر يثير الجدل في واشنطن
وفي سياق منفصل يتصل بمتابعة أخبار السياسة اليوم داخل المؤسسة الأميركية، تناولت شبكة "سي إن إن" نقلاً عن مصادر تقريراً مفاده أن وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث ومسؤولين عسكريين ضغطوا على طاقم مقاتلة من طراز F-15 سقطت فوق إيران في أبريل الماضي، لحثهم على المشاركة في تقرير لبرنامج "60 مينتس" على شبكة "سي بي إس نيوز" حول عملية إنقاذهما. وبحسب الشبكة، أبدى الطياران في البداية تحفظات على إجراء المقابلة، فيما رفض أحدهما المشاركة نهائياً بينما وافق الآخر بعد اجتماع خاص عقده هيجسيث معهما.
في المقابل، نفى كبير المتحدثين باسم وزارة الحرب الأميركية، شون بارنيل، صحة هذه الرواية، ووصف "القصة برمتها" بأنها كاذبة، مؤكداً أن قرار المشاركة كان للطيارين وحدهما، وأن الوزارة بذلت ما بوسعها لحماية الأمن العملياتي.
ونقلت "سي إن إن" أن رئيسة تحرير "سي بي إس نيوز" باري وايس أبلغت فريقها بأن الحصول على مقابلة مع الطيارين يمثل "أولوية قصوى"، وأنها تواصلت شخصياً مع هيجسيث ومسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية لهذا الغرض، معتمدة على علاقة سابقة جمعتها بالوزير. كما أشارت مصادر الشبكة إلى أن مسؤولين عسكريين، من بينهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، أبدوا في البداية تحفظات بشأن احتمال كشف تفاصيل حساسة، قبل أن يقرر كين المشاركة في التقرير رغم ذلك. ورفض المتحدث باسمه التعليق على ما وصفه بمصادر مجهولة "ذات أجندات خاصة".
سياق تاريخي وكواليس القرار
ويشير مراقبون إلى أن هذا التحول يمثل بالنسبة لكندا استرجاعاً لهوية جيوسياسية سابقة على الحرب العالمية الثانية، حين كانت البلاد تتاجر مع التاج البريطاني والقارة الأوروبية أكثر مما تتاجر مع جارتها الجنوبية، قبل أن تدفعها دينامية الاقتصاد الأميركي بعد عام 1945 نحو التمركز حول واشنطن. كما تفيد تقارير بأن السياسة الجديدة تبلورت داخل شبكة استشارية غير رسمية يقودها كارني بنفسه، يشارك فيها عدد من رجالات المال والسياسة، مستفيداً من خبرته السابقة محافظاً لبنك كندا ثم لبنك إنجلترا المركزي.
عودة إلى الملف الكندي: مخاطر لا يستهان بها
وبالعودة إلى الملف الكندي-الأوروبي، تشير تقارير إلى أن طريق كارني ليس خالياً من العقبات، أبرزها:
-
حساسيات داخلية في مقاطعتي ألبرتا وكيبيك تجاه أي تحول بعيداً عن السوق الأميركية أو مساس بالخصوصية السيادية.
-
بيروقراطية أوروبية صارمة، إذ لا يزال اتفاق التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي (سيتا) ينتظر مصادقة عدد من البرلمانات الأوروبية منذ نحو عقد.
-
مخاوف أوروبية، عبّر عنها قادة من بينهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، من استفزاز إدارة ترمب وفتح جبهات اقتصادية جديدة.
-
فارق في وتيرة النمو بين الاقتصادين الأوروبي والأميركي يثير تساؤلات حول قدرة السوق الأوروبية على استيعاب الصادرات الكندية.
في الختام
تعكس هذه التطورات، سواء في الملف الكندي-الأوروبي أو في الجدل الدائر داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، مرحلة من إعادة تقييم التحالفات والروايات الرسمية على حد سواء. فهل ستنجح المساعي الكندية في إعادة رسم خريطة تحالفاتها التقليدية، أم ستظل الجغرافيا والاقتصاد عاملين حاسمين يعيدان الأمور إلى مسارها المعتاد؟

