الجمعة 12 يونيو 2026 03:00 مـ 26 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

عبدالعزيز محسن يكتب: الضربة التي لم تقع... والتحول الذي لم ينتبه إليه أحد

بين تراجع واشنطن، ومناورة طهران، وقلق تل أبيب، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تكون أكثر خطورة من الحرب نفسها.

لم تكن الساعات الأخيرة مجرد حلقة جديدة من مسلسل التوتر الأميركي الإيراني، بل بدت لحظة فارقة كشفت هشاشة التوازنات الإقليمية وحدود القوة العسكرية عندما تصطدم بحسابات السياسة والاقتصاد.

فبعد تصعيد كلامي وعسكري مكثف، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء ضربات كانت مطروحة ضد أهداف إيرانية، مبرراً قراره بوجود تقدم في مسار الاتصالات والمفاوضات مع طهران (ThePrint/Reuters, 2026؛ Xinhua News Agency, 2026).

في الظاهر بدا القرار خطوة نحو التهدئة، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما حدث لم يكن انتصاراً كاملاً لأي طرف، بل اعترافاً متبادلاً بأن تكلفة الانفجار الشامل قد تكون أعلى من قدرة الجميع على تحملها.

ترامب بين استعراض القوة وحدود المخاطرة

منذ عودته إلى البيت الأبيض، حافظ ترامب على نمط تفاوضي يقوم على رفع سقف التهديد إلى أقصى درجة قبل الانتقال إلى مسار التفاهمات السياسية.

اقرأ أيضاً

وقد انعكس هذا النهج مجدداً في الأزمة الأخيرة، حيث ترافقت لغة التصعيد العسكري مع حديث متزايد عن فرص التوصل إلى تفاهم مع إيران (ThePrint/Reuters, 2026).

لكن التراجع عن الضربة المقترحة يكشف أيضاً عن حقيقة أكثر أهمية:

واشنطن تدرك أن المواجهة المباشرة مع إيران لم تعد عملية عسكرية محدودة النتائج.

فإيران تمتلك منظومات صاروخية متطورة وشبكات نفوذ إقليمية قادرة على تهديد المصالح الأميركية وشركائها في المنطقة، ما يجعل أي حرب واسعة النطاق مشروعاً مفتوحاً على احتمالات يصعب التحكم فيها

(Reuters, 2026؛ Times of India, 2026a).

ومن هنا يمكن فهم القرار الأميركي ليس بوصفه تراجعاً عن استخدام القوة، بل باعتباره محاولة لإعادة توظيفها كورقة ضغط تفاوضية بدلاً من تحويلها إلى مواجهة مفتوحة.

طهران... انتصار الصبر الاستراتيجي

في المقابل، تعاملت إيران مع الأزمة بقدر كبير من الحذر السياسي.

فبينما تحدثت واشنطن عن تقدم في المفاوضات، حرص المسؤولون الإيرانيون على نفي وجود اتفاق نهائي أو تفاهم مكتمل الأركان

(Axios, 2026؛ Xinhua News Agency, 2026).

هذا السلوك يعكس استراتيجية إيرانية مألوفة تقوم على تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي استجاب للضغوط العسكرية.

فطهران تدرك أن جزءاً مهماً من قوتها التفاوضية يرتبط بصورة الصمود والقدرة على المناورة.

ومن وجهة نظر الكاتب، يبدو أن إيران نجحت في تحقيق هدفين متوازيين:

تجنب الحرب المباشرة من جهة، والحفاظ على أوراقها التفاوضية الأساسية من جهة أخرى.

إسرائيل... الحليف القلق

ربما كان الطرف الأكثر قلقاً من التطورات الأخيرة هو إسرائيل.

فالتقارير التي تحدثت عن عدم إبلاغ رئيس الوزراء الإسرائيلي مسبقاً ببعض القرارات الأميركية المتعلقة بإلغاء الضربات أثارت تساؤلات واسعة حول مستوى التنسيق بين الحليفين في هذه المرحلة الحساسة (Times of India, 2026b).

كما أن النقاشات التي ظهرت داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية بشأن اختلاف الأولويات بين واشنطن وتل أبيب تعكس واقعاً جديداً نسبياً في إدارة الملف الإيراني (Bloomberg, 2026؛ Iran International, 2026).

ولا يعني ذلك وجود قطيعة بين الطرفين، لكنه يشير إلى أن المصالح الأميركية الأوسع، بما في ذلك استقرار أسواق الطاقة وتجنب حرب إقليمية طويلة، قد لا تتطابق دائماً مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية.

النووي الإيراني... الأزمة التي لم تختفِ

ورغم التركيز الإعلامي على الضربات والتهدئة، يبقى البرنامج النووي الإيراني جوهر الأزمة الحقيقية.

فقد طالب مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران بمزيد من التعاون والشفافية بشأن أنشطتها النووية، وسط استمرار المخاوف الدولية من حجم المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب (The Manila Times/IAEA, 2026؛ Vietnam.vn, 2026).

وتشير البيانات المنشورة إلى أن الملف النووي لا يزال يمثل العقدة الرئيسية التي تحول دون الوصول إلى تسوية دائمة بين طهران والغرب (Vietnam.vn, 2026).

ولهذا فإن أي تفاهم سياسي مؤقت لن يكون كافياً ما لم ينجح في معالجة الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي وآليات الرقابة الدولية عليه.

النفط... السلاح الذي لا يخطئ هدفه

أثبتت الأزمة مرة أخرى أن النفط لا يزال أحد أهم عناصر القوة في الشرق الأوسط.

فالتوترات المرتبطة بمضيق هرمز انعكست بصورة مباشرة على حركة الأسواق وأسعار الطاقة العالمية، قبل أن تتراجع الأسعار نسبياً بعد انحسار احتمالات الضربة الأميركية (CNN, 2026؛ Reuters, 2026).

وتؤكد هذه التطورات أن أي اضطراب طويل الأمد في الممرات البحرية الخليجية لن يبقى شأناً إقليمياً، بل سيتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية تمس الدول المستوردة للطاقة والأسواق المالية على حد سواء.

الهدنة ليست سلاماً

ما حدث خلال الأيام الأخيرة لا يمكن وصفه بأنه نهاية للأزمة، بل ربما يكون بداية فصل جديد منها.

فالخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال قائمة، والملف النووي لم يُحسم، والهواجس الإسرائيلية لم تتراجع، وأسواق الطاقة لا تزال شديدة الحساسية تجاه أي تصعيد جديد.

ومن ثم فإن التهدئة الحالية تبدو أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منها إلى سلام مستدام.

لقد تراجع شبح الحرب خطوة إلى الخلف، لكنه لم يغادر المشهد.

وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون الهدنة مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع.

---

المراجع

References (APA 6th Edition)

Axios. (2026, June 11). Trump claims Iran deal reached, Tehran says no final decision.

Bloomberg. (2026, June 12). Oil price analysis and comments regarding U.S.-Israeli relations.

CNN. (2026, June 11). Live updates: U.S.-Iran tensions and regional developments.

Iran International. (2026, June 11). U.S.-Israel tensions and Washington's criticism of Netanyahu.

Reuters. (2026, June 11). U.S. will receive a severe response if it attacks again, Iran's top military command says.

Reuters. (2026, June 12). Oil falls following reports of suspended U.S. strike plans against Iran.

The Manila Times. (2026, June 11). UN nuclear watchdog board demands urgent Iran cooperation.

ThePrint/Reuters. (2026, June 11). Trump cancels U.S. strikes on Iran, citing progress in talks.

Times of India. (2026a, June 8). Iran reopens tunnels and retains strategic missile capabilities.

Times of India. (2026b, June 12). Netanyahu reportedly not informed in advance of U.S. decision.

Vietnam.vn. (2026, June 10–11). IAEA resolution and assessment of Iran's enriched uranium stockpile.

Xinhua News Agency. (2026, June 12). U.S.-Iran conflict takes dramatic turn as Trump cancels military action.

عبدالعزيز محسن يكتب : الضربة التي لم تقع ... والتحول الذي لم ينتبه إليه أحد