الأحد 3 مايو 2026 02:30 مـ 16 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

الأب خارج المعادلة… كيف يحوّل قانون الأسرة الجديد “التحري عن الدخل” إلى أداة ضغط جديدة؟

في وقت يفترض أن ينحاز فيه التشريع إلى التوازن، يأتي مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ليعيد إنتاج خلل قديم بصيغة أكثر حدة؛ خلل يدفع بالأب المصري إلى هامش المنظومة، لا بوصفه شريكًا في الأسرة، بل بوصفه طرفًا مُلزمًا، مُراقبًا، ومُدانًا حتى يثبت العكس.

أخطر ما يطرحه المشروع ليس فقط توسيع نطاق الالتزامات المالية، بل الآلية التي يُراد بها تقدير هذه الالتزامات: منح نيابة شؤون الأسرة سلطة واسعة في “التحري عن الدخل”، دون ضوابط كافية، ودون إلزام حقيقي بالاستناد إلى بيانات رسمية حاسمة.

هنا، لا نتحدث عن إجراء تنظيمي عابر، بل عن تحول جوهري في فلسفة الإثبات؛ من الدليل إلى التقدير، ومن اليقين إلى الترجيح.

التحري، في جوهره، أداة مساعدة، لا يمكن أن تكون أصلًا يُبنى عليه التزام مالي قد يمتد لسنوات. وعندما يتحول هذا الإجراء إلى سند رئيسي لتقدير النفقة، فإننا نضع الأب تحت رحمة تقديرات غير مستقرة، قد تختلف من حالة إلى أخرى، ومن ملف إلى آخر، وفقًا لاجتهادات بشرية لا تخضع لمعيار موحد.

اقرأ أيضاً

أي عدالة تلك التي تُقاس فيها القدرة المالية بالانطباع، لا بالمستند؟

الأمر لا يتوقف عند حدود الدقة، بل يتجاوزها إلى مسألة افتراض النية.

فالصياغة المقترحة توحي—ضمنيًا—بأن الأب يميل إلى إخفاء دخله، وأن التحري ضرورة لكشف “الحقيقة الغائبة”.

هذا الافتراض، في حد ذاته، يخلّ بميزان العدالة؛ إذ ينقل الأب من موقع الطرف المتساوي إلى موضع المشتبه فيه، ويجعل من الإثبات عبئًا أحادي الاتجاه.

والنتيجة؟ التزامات مالية قد تُبنى على تقديرات مضخّمة، لا تعكس الواقع الفعلي، فتُثقل كاهل الأب، وتدفعه—في بعض الحالات—إلى العجز أو التعثر، بما يفتح أبوابًا جديدة للنزاع بدل أن يغلقها. وهنا تتضرر الأسرة كلها، لا طرف واحد فقط.

وعند النظر إلى التجارب في بعض الدول ، يتضح أن ما يطرحه المشروع يسير عكس الاتجاه العالمي.

ففي المملكة المتحدة، تُحدد النفقة بناءً على بيانات ضريبية رسمية، لا على تحريات تقديرية. وفي الولايات المتحدة، تُحتسب وفق معادلات واضحة تستند إلى وثائق مالية قابلة للمراجعة.

أما في ألمانيا، فهناك جداول معيارية تضبط التقدير وتقلص مساحة الاجتهاد.

وحتى في بعض الدول العربية، تُلزم المحاكم بطلب كشوف بنكية وتقارير موثقة قبل إقرار أي التزام.

هذه النماذج لا تنطلق من حسن الظن أو سوءه، بل من قاعدة بسيطة: لا التزام بلا دليل.

أما أن يتحول “التحري” إلى بديل عن المستند، فتلك مخاطرة تشريعية لا يمكن تجاهل آثارها.

الدفاع عن حق الطفل في النفقة الكافية لا يتعارض مع حماية الأب من التقدير الجائر؛ بل إن العدالة الحقيقية تقتضي الجمع بين الأمرين.

فالأب ليس خصمًا لطفله، ولا ينبغي أن يُعامل كطرف يجب إخضاعه، بل كركيزة أساسية في بنية الأسرة.

إن الإبقاء على هذه الصياغة، دون تقييد واضح لسلطة التحري، ودون إلزام بالاعتماد على مصادر رسمية محددة، يعني ببساطة تكريس معادلة مختلة: أب يدفع وفق ما يُقدّر، لا وفق ما يكسب؛ ونزاعات تتسع بدل أن تنحسر.

في النهاية، التشريع العادل لا يُبنى على الشك، ولا يُدار بالتقدير المفتوح.

فإذا كان الهدف هو حماية الأسرة، فإن البداية الحقيقية تكون بإعادة الاعتبار للأب، لا بوضعه تحت مجهر دائم، تُقاس فيه قدرته المالية بحدس إداري، لا بحقيقة مثبتة.

الأب خارج المعادلة… كيف يحوّل قانون الأسرة الجديد التحري عن الدخل إلى أداة ضغط ؟