الأربعاء 29 أبريل 2026 10:43 صـ 12 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

بين مشروع قانون الأحوال الشخصية وتجريم نزاع المنقولات: أي فلسفة تُحكم الأسرة؟

عبدالعزيز محسن

تدور مناقشات مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر حول هدف مُعلن: إعادة التوازن داخل الأسرة، وضبط العلاقات بما يحقق الاستقرار ويحفظ الحقوق.

غير أن هذا الهدف يصطدم، في التطبيق، بمسار قانوني موازٍ يزداد رسوخًا، يتمثل في تجريم نزاع المنقولات الزوجية من خلال المادة 341 من قانون العقوبات المصري.

وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لقانون يسعى إلى “تنظيم الأسرة” أن يتعايش مع توجه يُقحمها في دائرة الاتهام الجنائي؟
في فلسفة التشريع، ثمة تمييز أصيل بين قانون الأحوال الشخصية بوصفه قانونًا “تنظيميًا إصلاحيًا”، وبين القانون الجنائي بوصفه قانونًا “ردعيًا عقابيًا”.

الأول يُعالج العلاقات الإنسانية المعقدة بأدوات مرنة: التسوية، الوساطة، التدرج في الحلول.

اقرأ أيضاً

أما الثاني، فيدخل حين تُهدد الأفعال كيان المجتمع بخطورة واضحة.

الخلط بين المجالين لا يُنتج حماية، بل يُنتج اختلالًا في البنية القانونية.


مشروع قانون الأحوال الشخصية – في خطوطه العريضة – يتجه إلى تعزيز دور محكمة الأسرة، وتكريس آليات مثل مكاتب تسوية المنازعات، وتوسيع نطاق الرؤية في قضايا النفقة والحضانة.

غير أن هذا التوجه يظل ناقصًا ما لم يُحسم سؤال جوهري:
هل ستظل بعض النزاعات الأسرية، وعلى رأسها “المنقولات الزوجية”، خاضعة لمنطق التجريم؟
إن الإبقاء على هذا المسار يُفرغ الإصلاح من مضمونه.

فكيف ندعو إلى التسوية الودية، بينما يظل أحد الأطراف – غالبًا الزوج – مُهددًا بالحبس في نزاع مالي قابل للحل المدني؟ وكيف نُشجع على التهدئة، بينما أدوات الضغط الجنائي قائمة ومُفعّلة؟


لقد أكدت المحكمة الدستورية العليا المصرية في مبادئها المستقرة أن التجريم يجب أن يظل محكومًا بضرورات حقيقية، وأن يكون متناسبًا مع الفعل المُجرَّم، وألا يتحول إلى وسيلة بديلة لحسم المنازعات الخاصة. كما أن الدستور المصري 2014 يضع قيودًا واضحة على المساس بالحرية الشخصية، ويؤكد أن الحماية القانونية يجب أن تُمارس في إطار من التوازن بين الحقوق.


من هذا المنظور، فإن تجريم نزاع المنقولات لا يُمثل فقط إشكالًا تطبيقيًا، بل يُجسد تناقضًا فلسفيًا داخل المنظومة التشريعية ذاتها.

فبينما يسعى مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى بناء نموذج أسري قائم على التوافق، يُعيد القانون الجنائي إنتاج علاقة قائمة على الردع والتهديد.
والأثر العملي لهذا التناقض واضح:


تتحول بعض القضايا إلى أدوات تفاوض قسرية، لا وسائل إنصاف.


يختل ميزان القوة داخل النزاع، بما يُثقل كاهل أحد الأطراف بمخاطر جنائية.


تتراجع فرص التسوية، لأن النزاع لم يعد مدنيًا خالصًا، بل مشوبًا بشبهة الاتهام.


إن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل بإعادة صياغة النصوص، بل يتطلب إعادة ضبط الفلسفة التي تحكمها. وإذا كان الهدف هو أسرة مستقرة، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر توسيع دائرة التجريم، بل عبر:


حصر اللجوء للقانون الجنائي في أضيق الحدود،


إعادة توصيف نزاع المنقولات كمسألة مدنية تُحسم أمام محكمة الأسرة،


تعزيز آليات التنفيذ لضمان استرداد الحقوق دون المساس بالحرية.


بهذا فقط يمكن لمشروع قانون الأحوال الشخصية أن يُحقق غايته، وأن ينتقل من مجرد تعديل تشريعي إلى تحول حقيقي في فلسفة إدارة الأسرة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بانحياز لطرف على حساب آخر، بل بانحياز إلى مبدأ أعمق:
أن الأسرة لا تُدار بعقلية الاتهام، بل بمنطق التوازن.
وأن القانون، حين يختلط فيه الردع بالتنظيم، يفقد قدرته على تحقيق الاثنين معًا.

بين مشروع قانون الأحوال الشخصية تجريم نزاع المنقولات: أي فلسفة تُحكم الأسرة ؟