الأربعاء 29 أبريل 2026 12:42 صـ 11 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

قانون «الأحوال الشخصية» الجديد… هل تُصحَّح كفة العدالة أم يُعاد إنتاج الأزمة؟

لم يعد الجدل حول قانون الأحوال الشخصية قائمًا في فراغ، بل دخل مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد النقاش عن مشروع قانون جديد يُفترض أن يعالج اختلالات القانون الحالي.

غير أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن بصدد إصلاح حقيقي يعيد التوازن داخل الأسرة، أم مجرد إعادة صياغة لنفس الأزمة بعبارات مختلفة؟

الحقيقة التي لم يعد من الممكن تجاهلها أن التطبيق العملي للقانون الحالي كشف عن خلل واضح في ميزان العدالة، خاصة فيما يتعلق بموقع الأب داخل المنظومة الأسرية.

فبينما انشغل النقاش لسنوات طويلة بتعزيز حماية المرأة، وهي حماية واجبة، جرى في المقابل تهميش دور الأب إلى حدٍ دفع كثيرين إلى الشعور بأنهم خارج المعادلة.

اقرأ أيضاً

ومع طرح مشروع قانون جديد، عادت هذه الإشكالية إلى الواجهة بقوة.

لم يعد الأمر مجرد مطالب فردية، بل أصبح جزءًا من نقاش عام واسع، تشارك فيه حملات رقمية، وخبراء، وقطاعات مجتمعية مختلفة، كلها تتساءل: هل سيُعيد القانون الجديد الاعتبار لفكرة التوازن، أم سيكرّس واقعًا مختلًا تحت غطاء تشريعي محدث؟

في قلب هذه المناقشات، تبرز قضايا بعينها بوصفها اختبارًا حقيقيًا لأي إصلاح مرتقب: الرؤية، والحضانة، واستضافة الأطفال، وقائمة المنقولات، وإجراءات الخُلع.

هذه الملفات لم تعد تفاصيل قانونية، بل تحولت إلى مؤشرات على اتجاه التشريع نفسه: هل يميل إلى التوازن أم إلى الانحياز؟

إن اختزال دور الأب في “رؤية محدودة” لم يعد مقبولًا في ظل التحولات الاجتماعية الحالية، حيث لم يعد الأب مجرد ممول، بل شريك أساسي في التنشئة.

ومن ثم، فإن أي مشروع قانون لا يعترف بهذا التحول سيظل قاصرًا عن مواكبة الواقع، مهما بدا متماسكًا من الناحية النظرية.

الأخطر أن تجاهل هذه النقطة في القانون الجديد قد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدلًا من حلها.

فالتشريعات التي لا تعكس شعورًا عامًا بالعدالة تفقد فاعليتها، وتتحول إلى مصدر دائم للنزاع.

وقد أثبتت التجربة أن فرض حلول لا تحظى بقبول مجتمعي واسع لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان.

في المقابل، تتيح اللحظة الراهنة فرصة نادرة لإعادة بناء هذا القانون على أسس أكثر توازنًا.

فالنقاش المجتمعي القائم، رغم حدته، يكشف عن وعي متزايد بضرورة تحقيق عدالة شاملة، لا تقتصر على طرف دون آخر.

كما أن تصاعد أصوات الآباء، إلى جانب الأصوات النسوية، يفرض على المشرّع التعامل مع واقع متعدد، لا يمكن تبسيطه أو تجاهله.

المطلوب اليوم ليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل صياغة قانون يُنهي منطق “المنتصر والمهزوم” داخل الأسرة.

قانون يعترف بحق الأب في الحضور الفعلي في حياة أبنائه، كما يضمن للمرأة حقوقها كاملة، ويضع مصلحة الطفل كمرجعية حقيقية لا مجرد شعار.

إن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة هذا التوازن المعقد.

فإما أن يكون نقطة تحول نحو عدالة أكثر شمولًا، أو فرصة ضائعة تُعاد فيها إنتاج نفس الإشكاليات بشكل جديد.

وفي النهاية، فإن المعركة لم تعد حول نصوص قانونية فقط، بل حول تصور كامل للعدالة داخل الأسرة.

وإذا لم يُحسم هذا التصور بشكل متوازن، فإن أي قانون —قديمًا كان أو جديدًا— سيظل مجرد عنوان لأزمة مستمرة.

قانون الأحوال الشخصية الجديد هل تصحح كفة العدالة