“مستقبل مصر”… من الصحراء إلى سلة الغذاء
محمود أبو السعود
في ظل عالم يموج بالأزمات الاقتصادية والتحديات المتلاحقة في ملف الغذاء، لم تعد قضية الأمن الغذائي ترفًا يمكن تأجيله، بل أصبحت ضرورة وجودية تفرض نفسها على أجندة الدول، وهو ما أدركته الدولة المصرية مبكرًا عبر إطلاق مشروع مستقبل مصر كأحد أهم المشروعات القومية العملاقة، في إطار تنفيذ مستهدفات رؤية مصر 2030، ليكون بمثابة ذراع قوية تدفع عجلة التنمية الزراعية والصناعية نحو آفاق غير مسبوقة.
ويبرز جهاز “مستقبل مصر” للتنمية المستدامة كالعقل المدبر لهذا المشروع الضخم، تحت قيادة اللواء بهاء الغنام، حيث نجح في وقت قياسي في تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية في منطقة غرب الدلتا إلى رقعة خضراء منتجة، تمتد على أكثر من مليون فدان ضمن مخطط شامل يستهدف استصلاح ما يقرب من 2.2 مليون فدان في مشروع “الدلتا الجديدة”، هذا التوسع لم يكن مجرد إضافة رقمية إلى الرقعة الزراعية، بل كان نقلة نوعية في أساليب الإدارة والتخطيط، حيث تم الاعتماد على أحدث نظم الزراعة الذكية والتكنولوجيا الحديثة لتحقيق أعلى إنتاجية ممكنة بأقل استهلاك للموارد.
ومن قلب هذه الأراضي المستصلحة، بدأت مصر في جني ثمار المشروع عبر إنتاج كميات ضخمة من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والذرة والبنجر، وهي محاصيل تمثل عصب الأمن الغذائي، حيث ساهم المشروع في تقليل الفجوة الاستيرادية بشكل ملحوظ، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، خاصة في ظل التقلبات العالمية، ولم يتوقف العائد عند حدود الزراعة، بل امتد ليشمل توفير أكثر من 200 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، ما جعله أحد أهم المشروعات الداعمة لتشغيل الشباب وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وقد ارتكز نجاح جهاز “مستقبل مصر” على بنية تحتية قوية جرى إنشاؤها وفق أحدث المعايير، شملت شبكة طرق داخلية متطورة، ومحطات كهرباء، ومنظومات ري حديثة تعتمد على الرش المحوري والتنقيط، بما أسهم في ترشيد استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالأساليب التقليدية، إلى جانب إنشاء صوامع تخزين حديثة ومناطق لوجستية متكاملة تضمن الحفاظ على المحاصيل وتقليل الفاقد، فضلًا عن تسهيل عمليات النقل والتوزيع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق.
اقرأ أيضاً
وزير الري: «مشروع المرونة المائية» نموذج ناجح لمواجهة تحديات ندرة المياه وتغير المناخ
رئيس مدينة بدر يتابع جهود رفع تجمعات المياه لمواجهة الأمطار بمركز بدر
طوارئ بكفر الدوار لمواجهة الأمطار… الدفع بالمعدات وسحب تجمعات المياه وتيسير الحركة المرورية
البرلمان يناقش تعديلات قانون الأنشطة النووية والإشعاعية بعد إجازة العيد
كيف سيطر المسلمون على منابع المياه في موقعة بدر؟.. عالم بالأوقاف يُجيب
ندوة توعوية لأئمة الدلنجات لترشيد استهلاك المياه والحفاظ على شبكات الصرف الصحي
بعد تصريحات ترامب بشأن الزام شركات مراكز البيانات بتحمل كامل تكاليف الطاقة والمياه… “باور وادي” تؤكد جاهزيتها لدعم السوق المصري بحلول ذكية
نهضة مصر بالإسكندرية تطلق 8 سيارات كشف و تنكات مياه جديدة لتعزيز منظومة النظافة
اعتذار وتوضيح بشأن خبر «صرخة على مكتب الدكتورة جاكلين عازر.. أرضي ضاعت بين وزارة الزراعة والمحافظة»
حي العجمي بالإسكندرية يُعلن حالة الطوارئ لمواجهة تجمعات مياه الأمطار الغزيرةكيفية الاعتناء بالمسبح والحفاظ على سلامة المياه فيه وتعقيمه
فور سقوط الأمطار...انتشار المعدات والأطقم الفنية ورفع تراكمات المياه أولًا بأول بدمنهور
وفي خطوة تعكس رؤية اقتصادية متكاملة، لم يقتصر دور الجهاز على الإنتاج الزراعي، بل اتجه بقوة نحو التصنيع الزراعي، من خلال إقامة مجمعات صناعية تشمل مصانع للسكر، وخطوط تعبئة وتغليف، وثلاجات حفظ، وهو ما يحقق قيمة مضافة حقيقية للمنتج الزراعي، ويعزز من قدرة مصر على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية، لتتحول تدريجيًا من دولة مستوردة للغذاء إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير الزراعي.
ورغم ما تحقق من إنجازات، لا تزال التحديات قائمة، وعلى رأسها محدودية الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا، إلا أن جهاز “مستقبل مصر” يواصل العمل وفق رؤية مرنة تستهدف تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وفتح آفاق جديدة للتعاون مع القطاع الخاص، بما يضمن استدامة المشروع على المدى الطويل.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى جهاز “مستقبل مصر” للتنمية المستدامة باعتباره مجرد مشروع زراعي، بل هو مشروع دولة يعكس إرادة سياسية واضحة في بناء اقتصاد إنتاجي قوي، قائم على استغلال الموارد وتحقيق الاكتفاء الذاتي، إنه نموذج للتنمية الشاملة التي لا تزرع الأرض فقط، بل تعيد رسم خريطة المستقبل، وتمنح مصر فرصة حقيقية لامتلاك قرارها الغذائي والاقتصادي في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.


