الثلاثاء 24 مارس 2026 06:09 صـ 5 شوال 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

وجعٌ بلا شهود… ونهاية بلا رحمة

حادث كرموز في الإسكندرية ليس مجرد واقعة تُضاف إلى سجل الحوادث، بل مرآة قاسية لمجتمع اختار أن يغضّ الطرف عن وجعه حتى انفجر في وجهه دفعة واحدة.

داخل ذلك البيت لم تقع الجريمة فجأة، بل وُلدت على مهل، وسط صمت طويل، وتجاهل أطول، حتى تحولت الحياة نفسها إلى عبء لا يُحتمل، ضائقة مالية لم تكن مجرد نقص في المال، بل كانت خنقًا بطيئًا لكل ما هو إنساني، كرامة، أمل، وشعور بالأمان، ومع كل يوم كان يمر، كانت الأسرة تقترب خطوة إضافية من الهاوية، دون أن يلتفت إليها أحد، ودون أن يجد استغاثتها من يسمعها أو يأخذها على محمل الجد.

في هذا المشهد القاتم، لا يمكن فصل ما حدث عن مجتمع اعتاد أن يرى دون أن يرى، وأن يسمع دون أن يستمع، كم من بيت من حولنا يختنق الآن بنفس الطريقة، وكم من أسرة تعيش تحت ضغط لا يُطاق، بينما يكتفي الجميع بالتعاطف العابر، أو الصمت المريح، لقد أصبحنا نتعامل مع الألم كأنه شأن خاص، ومع الانهيار كأنه مسؤولية فردية، وكأن الإنسان قادر وحده أن ينجو من العاصفة دون أن يمتد إليه أحد، لكن الحقيقة التي يكشفها هذا الحادث أن الإنسان لا ينهار فجأة، بل يُترك حتى ينهار.

الأم في هذه القصة لم تكن مجرد ضحية، بل رمز لإنهاك طويل لم يجد من يخففه، والابن الأكبر لم يكن مجرد جاني، بل نتاجًا مباشرًا لواقع ضاغط، تشكّل في بيئة لم توفر له الحد الأدنى من الدعم النفسي أو الاجتماعي، نحن لا نتحدث هنا عن لحظة غضب، بل عن سنوات من العجز المتراكم، الذي يقتل بصمت قبل أن ينفجر بشكل مأساوي، وهنا تكمن قسوة الحقيقة أن ما حدث لم يكن خارج التوقع، بل كان نتيجة متوقعة لواقع تم تجاهله طويلًا.

اقرأ أيضاً

المجتمع الذي يكتفي بإدانة الفعل بعد وقوعه، دون أن يراجع نفسه قبل وقوعه، هو مجتمع يكرر نفس الأخطاء بأشكال مختلفة، نحن لا نواجه أزمة أفراد بقدر ما نواجه أزمة وعي، أزمة في القدرة على رؤية الآخر، في الاستعداد للتدخل، في الإيمان بأن الكارثة يمكن أن تُمنع قبل أن تقع، إن كل جملة كنا نعلم تُقال بعد الحادث، هي في حقيقتها اعتراف متأخر بأننا جميعًا كنا طرفًا في هذا الصمت.

حادث كرموز ليس مجرد مأساة انتهت، بل بداية سؤال ثقيل لا يجب أن يُؤجل إلى متى سنكتفي بمشاهدة الانهيار ونحن نبرر لأنفسنا العجز؟ إلى متى سننتظر حتى يتحول الألم إلى دم، قبل أن نقرر أن نتحدث، أن نتدخل، أن نمد يدًا كانت قادرة على تغيير النهاية؟ الحقيقة المؤلمة أن كل مأساة من هذا النوع لا تولد فجأة، بل تُعلن عن نفسها ببطء… لكننا اعتدنا ألا نسمع إلا حين يفوت الأوان.

حادث كرموز الاسكندرية المجتمع جريمة ضائقة مالية الأم الابن