الأربعاء 11 فبراير 2026 04:34 مـ 23 شعبان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

آراء وكتاب

الكاتب الصحفي أحمد صلاح

أحمد صلاح يكتب: قراءة في دلالات اختيار حسن الرداد وزيرًا للعمل

في سابقة لافتة، جاء اختيار وزير العمل هذه المرة من بين الكوادر المهنية داخل الوزارة، على خلاف ما جرى عليه العرف لسنوات طويلة بأن يتولى الحقيبة أحد قيادات الحركة النقابية العمالية. قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد تنويع في معايير الاختيار، لكنه في عمقه يطرح تساؤلات مهمة حول واقع النقابات العمالية ودورها ومستوى جاهزيتها لقيادة واحدة من أكثر الوزارات حساسية وتأثيرًا في المجتمع.

وزارة العمل ليست وزارة خدمية تقليدية، بل هي وزارة تمس توازنًا دقيقًا بين أطراف الإنتاج: العامل وصاحب العمل والدولة. فهي معنية بالتشريعات المنظمة لعلاقات العمل، وتسوية النزاعات، ورسم سياسات التشغيل، وإدارة ملف الحوار الاجتماعي، وضمان حقوق ملايين العاملين. ومن ثم فإن شخصية الوزير وخلفيته المهنية تنعكس مباشرة على فلسفة إدارة هذا الملف الحيوي.

على مدار عقود، كان اختيار وزير العمل من قيادات النقابات يحمل رسالة واضحة مفادها أن صوت العمال حاضر في صميم صناعة القرار، وأن الوزارة امتداد طبيعي للحركة العمالية المنظمة. أما حين يتجه الاختيار إلى أحد أبناء الجهاز التنفيذي، فإن الرسالة تتغير؛ إذ يُقدَّم معيار الخبرة الإدارية والمؤسسية على معيار التمثيل النقابي المباشر.

لا يمكن التقليل من قيمة الخبرة الإدارية داخل الوزارة، فالإلمام بتفاصيل اللوائح، وآليات العمل، وتعقيدات الملفات الفنية، ميزة مهمة بلا شك. غير أن السؤال الأهم: لماذا لم تعد القيادات النقابية الخيار الأول أو الطبيعي لتولي هذه الحقيبة؟

هنا ينبغي أن تتوقف الحركة النقابية طويلًا أمام نفسها. فالعمل النقابي ليس مجرد تمثيل رمزي، بل هو مدرسة لإعداد قيادات قادرة على الانتقال من مربع المطالب إلى مربع صناعة السياسات. قيادات تجمع بين فهم الواقع العمالي، والقدرة على التفاوض، والإلمام بالتشريعات، والرؤية الاستراتيجية لإدارة ملف العمل على مستوى وطني.

إذا كانت القيادة التنفيذية قد رأت أن المرحلة الحالية تستلزم نمطًا مختلفًا من الإدارة، فإن ذلك قد يكون مؤشرًا — لا على تراجع دور النقابات — بل على الحاجة إلى إعادة تطوير أدواتها، وتأهيل كوادرها بما يجعلها قادرة على المنافسة في معايير الاختيار الوطني.

وزارة العمل وزارة حساسة بطبيعتها؛ تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن ثم فإن من يقودها يجب أن يمتلك شرعية مزدوجة: شرعية الخبرة الفنية، وشرعية القبول العمالي. وأي اختلال في هذا التوازن يضع تحديًا إضافيًا أمام المنظومة بأكملها.

الاختيار في ذاته ليس أزمة، لكنه يحمل دلالات تستحق القراءة. دلالات تدعو إلى مراجعة عميقة لدور الحركة العمالية في مصر، ولمدى استعدادها لصناعة قيادات على مستوى اللحظة وتحدياتها، حتى تظل شريكًا أصيلًا في صناعة القرار، لا مجرد طرف في معادلة التنفيذ.