حرمة التعري وتجاوز أم بقلظ.. بقلم: د. عبير العربي
يبدو أننا وصلنا إلى زمن أصبحت فيه حرمة التعري أهم من حرمة الكلمة، وأصبح انتقاد المظهر تجاوزًا لا يُغتفر، بينما صار المظهر الذي يثير تحفظات قطاع من المجتمع أمرًا لا يجوز الاقتراب منه أو حتى مناقشته!
هكذا تحولت كلمات الإعلامية الكبيرة نجوى إبراهيم، أو «ماما نجوى» كما عرفتها أجيال كاملة، إلى أزمة تستدعي تدخل نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي، ومطالبته لها بالاعتذار عما اعتبره إساءة وتعميمًا في حق الفنانات، على خلفية حديثها عن إطلالات بعضهن في مهرجان الجونة السينمائي.
والحقيقة أنني أجد في هذه الأزمة مفارقة تستحق التوقف أمامها؛ فماما نجوى لم تخرج لتسب فنانة، ولم تتعمد التشهير باسم بعينه، وإنما تحدثت عن ظاهرة تراها غير مناسبة، وعن مفهوم الشياكة والأناقة الذي لا ينبغي أن يُختزل في كشف أكبر قدر من الجسد، مؤكدة أن لكل مكان طبيعته، ولكل مناسبة قواعدها، وأن ما قد يبدو مقبولًا اليوم ربما يثير حرجًا لدى الأبناء في المستقبل.
فهل أصبح مجرد إبداء الرأي في المظهر العام للفنانات إهانة؟ وهل أصبح النقد الاجتماعي تجاوزًا يستوجب الاعتذار، بينما لا يحق للمجتمع أن يناقش ما يراه خروجًا عن قيمه وذوقه العام؟
لا أحد ينكر حق الفنانة في اختيار ملابسها، ولا أحد يملك حق فرض ذوقه الشخصي عليها، لكن في المقابل لا يمكن مصادرة حق الجمهور في إبداء رأيه، ولا تحويل كل انتقاد إلى معركة للدفاع عن الكرامة الفنية.
الفنان شخصية عامة، والظهور في المهرجانات ليس شأنًا خاصًا بالكامل، بل هو جزء من الصورة التي تقدمها صناعة الفن إلى المجتمع. ومن حق الجمهور أن يعجب أو يتحفظ أو ينتقد، طالما ظل النقد في حدود الاحترام ولم يتحول إلى سب أو تجريح شخصي.
والأكثر إثارة للتساؤل أن تتحول القضية من مناقشة المظهر الذي أثار الجدل إلى محاكمة من تجرأت على الحديث عنه، وكأننا بصدد إعادة ترتيب المفاهيم، فيصبح الاعتراض على المبالغة في كشف الجسد خطأً، ويصبح الدفاع عن حق المجتمع في الاحتفاظ بخصوصيته الثقافية والأخلاقية تجاوزًا!
إن التعري ليس قيمة فنية في حد ذاته، وليس معيارًا للأناقة أو التقدم، كما أن الحرية لا تعني أن يصبح كل ما نفعله خارج دائرة النقد والمناقشة. فهناك فارق كبير بين احترام حرية الاختيار وبين مطالبة الآخرين بالصمت عن آرائهم.
أما نجوى إبراهيم، فهي ليست مجرد مذيعة أطلقت تصريحًا عابرًا، إنها تاريخ من الإعلام والطفولة والتربية، واسم ارتبط في وجدان أجيال بشخصية «ماما نجوى» و«أم بقلظ»، تلك الشخصية التي لم تكن مجرد فقرة تلفزيونية، بل كانت جزءًا من ذاكرة تربوية وثقافية لجيل كامل.
ولذلك فإن تمسكها بحقها في إبداء رأيها، وتأكيدها أنها تحدثت بصفتها «ماما نجوى» التي ترى في الأجيال الجديدة أبناءً لها، يحمل دلالة أكبر من مجرد خلاف حول فستان أو إطلالة.
ومن حق أشرف زكي أن يدافع عن أعضاء نقابته ويرفض أي تعميم أو تجريح بحقهم، لكن ليس من حق أحد أن يجعل الاعتذار ثمنًا لمجرد ممارسة حق النقد وإبداء الرأي.
وأعتقد أن الخطأ الحقيقي في هذه الأزمة هو الخلط بين الإساءة والنصيحة، وبين التجريح والاختلاف، وبين حرية الفنانة في اختيار مظهرها وحرية المجتمع في رفض بعض مظاهر هذا الاختيار.
فلا تجعلوا من «نجوى إبراهيم » متهمة لأنها تحدثت بلغة الأم، ولا تحولوا الناصح إلى متجاوز، والمتحفظ إلى معتدٍ، والاختلاف إلى إهانة.
ماما نجوى لم تفقد قيمتها لأنها قالت رأيًا لم يعجب البعض، ولن تسقط مكانتها بمطالبة باعتذار. فالقيم لا تتبدل بتبدل الموضة، والذوق العام ليس جريمة، والتعري ليس حرمة لا يجوز الاقتراب منها، بل ظاهرة اجتماعية من حقنا مناقشتها ونقدها، دون تجريح أو مصادرة لحرية أحد.
وأخيرًا.. إذا كان من حق الفنان أن يختار كيف يظهر أمام الناس، فمن حق الناس أيضًا أن تقول له: هذا المظهر لا يمثل ذوقنا ولا يعبر عن قيمنا.


