دينا المصري تكتب: معلش يا بنتي
«معلش يا بنتي… استحملي، واهو كله بثوابه!»
معلش يا بنتي، استحملي جوزك اللي بيضربك كل شوية، أصل العصبية غلباه… واهو كله بثوابه!
معلش يا بنتي، استحملي إهانة أهل جوزك، أصل دول أهله ومش هيقدر يزعلهم… واهو كله بثوابه!
معلش يا بنتي، استحملي إنه مش شايل مسؤولية البيت، أصل الظروف صعبة والرجالة مبقتش زي زمان… واهو كله بثوابه!
معلش يا بنتي، استحملي خيانته، أصل الراجل بيغلط، وإنتِ لازم تحتويه وترجّعيه لحضنك… واهو كله بثوابه!
استحملي يا بنتي…
واصبري يا بنتي…
واحتسبي يا بنتي…
لحد ما البنت اللي كانت بتضحك من قلبها، بقت بتخاف تتكلم.
واللي كانت بتحلم ببيت دافي، بقت بتترعش من صوت المفتاح وهو بيفتح الباب.
واللي دخلت الجوازة وهي فاكرة إنها هتلاقي شريك وسند، بقت بتنام كل ليلة وهي بتسأل نفسها: «أنا عملت إيه في حياتي عشان أستحق كل ده؟!».
وبعد كل ده، ييجي حد يقولها:
«معلش يا بنتي… كله بثوابه!».
طب هو مين قال إن ربنا طالب منكِ تستحملي ظلم الناس عشان تاخدي ثواب؟!
ربنا قال:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.
والكَبَد معناه المشقة والتعب اللي بيقابل الإنسان في حياته…
لكن هل معنى إن الحياة فيها مشقة إننا نسلّم نفسنا للظلم، ونسمح لكل حد يكسرنا بحجة الصبر؟!
لأ يا بنتي…
فيه فرق كبير بين إنك تصبري على ضيق الرزق وإنتوا بتسعوا مع بعض، وبين إنك تشيلي مسؤولية بيت كامل لوحدك وجوزك رافض يتحمل مسؤوليته.
فيه فرق بين إنك تحتوي زوجك في وقت ضعفه، وبين إنه يحوّل ضعفك إنتِ لفرصة يستغلك بيها.
فيه فرق بين إنك تسامحي إنسان اعترف بغلطه وبيحاول يصلّح، وبين إنك تفضلي تسامحي نفس الأذى كل يوم، وهو مطمّن إنك مش هتاخدي أي موقف.
وفيه فرق بين الصبر على خلافات الحياة الطبيعية، وبين الضرب والإهانة والخيانة المتكررة وانتهاك الكرامة.
مش كل صبر فضيلة، ومش كل سكوت حكمة، ومش كل استمرار في الجوازة دليل على قوة المرأة.
أحيانًا القوة إنك تحاولي تصلّحي بيتك…
وأحيانًا القوة إنك تطلبي مساعدة…
وأحيانًا القوة إنك تحطي حدود واضحة وتوقفي الأذى عند حدّه.
يا بنتي، إنتِ مش مطالبة تهدّي بيتك على حساب نفسك، ولا مطالبة تثبتي للناس إنك زوجة صالحة عن طريق تحمّل الإهانة.
الجوازة مش امتحان في قدرتك على الوجع، ومش كل ما استحملتي أكتر تبقي زوجة أحسن.
إنتِ إنسانة، وليكي حق في الأمان والاحترام، زي ما عليكي واجبات تجاه بيتك وزوجك.
ولو جوزك بيمر بضائقة مالية، قفوا جنب بعض، وخططوا، واشتغلوا على حل المشكلة.
ولو بينكم خلافات، اتكلموا، واستعينوا بحد حكيم وعادل، وحاولوا ترجعوا المودة والرحمة.
ولو أهل جوزك بيتدخلوا في حياتكم، حطوا حدود باحترام، وخلي جوزك مسؤول عن حماية خصوصية بيته.
لكن لو فيه ضرب أو تهديد أو أذى مستمر، فدي مش مشكلة تتحل بمجرد إنك تستحملي أكتر.
اطلبي المساعدة من شخص موثوق، أو جهة مختصة، وخططي لسلامتك، خصوصًا لو المواجهة ممكن تعرّضك لخطر أكبر.
ومش معنى الكلام ده إن كل خلاف نهايته انفصال…
لكن معناه إن استمرار الجوازة مش أهم من سلامة الإنسان اللي عايش جواها.
وعارفة إيه كمان يا بنتي؟
الناس ساعات بتشوفك أنانية لمجرد إنك قولتي «لأ».
وبيشوفوكِ قاسية لمجرد إنك رفضتي الإهانة.
وبيفتكروكِ وحشة لمجرد إنك بطّلتي تقدّمي تنازلات على حساب نفسك.
لأنهم اتعودوا منكِ على التحمل، فلما تبدأي تحطي حدود، بيحسّوا إنك اتغيرتي.
لكن محدش فيهم عاش اللي إنتِ عشتيه…
ولا نام مكانك وهو خايف من بكرة…
ولا شاف دموعك اللي نزلت في الخفاء عشان تحافظي على صورة بيتك قدام الناس.
فمتخليش حكم الناس عليكِ أهم من سلامتك وكرامتك.
الصبر مش إنك تفضلي في النار لحد ما تتحرقي، الصبر إنك تسعي للخروج من أزمتك بحكمة، وتطلبي العون، وتاخدي بالأسباب.
وما تخلطيش بين الرضا بقضاء ربنا والرضا بظلم البشر؛ فالإيمان مش دعوة للسكوت عن الأذى، والاحتساب مش معناه إنك تتنازلي عن حقك.
يا بنتي…
إنتِ اتجوزتي عشان تبني حياة، مش عشان تقضي عمرك بتحاولي تنجي نفسك من الشخص اللي المفروض يكون أمانك.
حاولي تصلّحي، وادي فرصة للتغيير الحقيقي، لكن متفضليش مستنية تغيير عمره ما بييجي، لمجرد إن كل اللي حواليكي بيقولوا: «استحملي».
ربنا مش محتاج منكِ إنك تضيّعي نفسك عشان تثبتي إنك صبورة… وربنا أعلم بوجعك وباللي محدش شايفه.
الكاتبة والمحررة الإعلامية الدكتورة دينا المصري


