الخميس 29 أكتوبر 2026 02:59 مـ 17 جمادى أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

قناع الإنسانية

حين يرتدي الشر قناع الإنسانية

إسراء السخاوي
لماذا يبدو الإنسان أحيانًا أكثر الكائنات رعبًا على وجه الأرض؟ وكيف لقلبٍ خُلق ليمنح الحب أن يتحول إلى مصدر للألم، ولعقلٍ وهبه الله القدرة على التمييز بين الحق والباطل أن يسخّر ذكاءه في التخطيط للأذى، ثم يمضي في حياته مطمئنًا بعدما كسر خاطر إنسان آخر؟
لعل أكثر ما يجعل الشر الإنساني مخيفًا ليس قدرته على إلحاق الأذى، بل قدرته على التخفي خلف الوجوه المألوفة، والكلمات العذبة، والوعود التي تبدو صادقة. فالحيوان المفترس لا يخفي طبيعته خلف ابتسامة، ولا يمنح فريسته الأمان قبل أن ينقضّ عليها، أما الإنسان فقد يأتيك الأذى منه تحت قناع النصيحة ، أو كخذلان ممن ائتمنته على أسرارك، أو غدر ممن ظننته يومًا ملاذًا آمنًا من قسوة العالم.
ليست المأساة أن الإنسان قادر على الأذى، بل أنه قد يدرك تمامًا حجم الألم الذي يسببه، ثم يختار أن يفعله.
فالإنسان يمتلك القدرة على الاختيار؛ يستطيع أن يرحم حينما يستطيع الايذاء ، وأن يعفو حينما يستطيع الانتقام، وأن يصون كرامة غيره حين تكون لديه القدرة على إهانته. لكنه قد يختار الطريق الآخر، لا اضطرارًا، بل إرضاءً لكبريائه، أو انتصارًا لرغبة في السيطرة، أو إشباعاً لشهوةٍ مريضة لديه ، أو محاولةً لإخفاء ضعفه بإضعاف الآخرين.
وهنا يتحول الشر من مجرد تصرف عابر إلى قرار يكشف حقيقة صاحبه؛ فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على الإيذاء، وإنما في امتلاك هذه القدرة ثم الامتناع عن استخدامها ظلمًا، ولله در علي بن أبي طالب حينما قال إذا قدرت علي عدوك فإجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه ، هذا مع العدو فما بالنا ونحن بنيانا واحد.
ولعل أشد أنواع الأذى قسوةً ليس ما يترك جرحًا في الجسد، بل ما يترك في النفس من شكوك وأسئلة. هناك كلمات لا تُنسى، ومواقف لا تمحوها الأيام، وخيبات لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تغيّر شيئًا عميقًا في داخل الإنسان. قد يواصل الموجوع حياته مبتسمًا، ويبدو لمن حوله بخير، بينما يحمل في أعماقه وجعًا لا يعرف كيف يشرحه، وخوفًا من تكرار التجربة، وأسئلةً عن أشخاص منحهم ثقته فلم يجد منهم سوى الخذلان.
ويزداد الأذى قسوةً حين لا يكتفي صاحبه بارتكابه، بل يسعى إلى تحميل ضحيته مسؤوليته. يقلب الحقائق، ويبدّل الأدوار، ويقدّم نفسه في صورة المظلوم، حتى يجد الطرف الآخر نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن مشاعره، وتبرير مواقفه، والاعتذار عن جرح لم يصنعه، وهذا ما نسميه علاقة سامة.
عندها لا يصبح الأذى مجرد فعل مؤلم، بل محاولة لطمس الحقيقة وإرباك الضمير، حتى يفقد الإنسان ثقته في حكمه على الأمور، ويبدأ في التساؤل عما إذا كان يستحق ما تعرض له، بدلًا من أن يدرك أن مسؤولية الإساءة تقع على من اختار ارتكابها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن قسوة البشر لا يعني أن الشر هو الحقيقة الوحيدة في الإنسان؛ ففي مقابل من يهدمون الثقة، هناك من يعيدون بناءها، وفي مقابل من يستغلون نقاط الضعف، هناك من يحمونها، وفي مقابل من يتخلون عن الآخرين عند أول اختبار، هناك من تثبتهم المواقف حين تتراجع الوعود.
ثمة أناس يمرون بحياتنا كأنهم اعتذار جميل من الدنيا عن كل ما رأيناه من قبح؛ يمنحوننا الأمان دون مقابل، ويحفظون أسرارنا دون استغلال، ويختارون الرحمة رغم ما مروا به من خيبات. وهؤلاء يذكّروننا بأن الإنسان ليس أسيرًا لأسوأ ما شهده أو تعرض له، وأن الألم لا يولد المعاناة فحسب ولا يمنح أحدًا الحق في أن يصبح مصدرًا لألم الآخرين.
ذلك هو التناقض العميق في الطبيعة الإنسانية؛ فالإنسان قادر على أن يكون سببًا في انكسار روح، كما يستطيع أن يكون سببًا في نجاتها. قد تهدم كلمة منه ثقةً بُنيت على مدار سنوات، وقد يعيد موقف نبيل منه إلى قلبٍ متعب إيمانه بأن الخير لا يزال موجودًا.
ومن هنا، فإن مواجهة الشر لا تعني أن نكره الجميع، أو أن نتحول إلى نسخ قاسية ممن آذونا. فحين يسمح الإنسان للأذى بأن يسلبه إنسانيته، يكون قد خسر مرتين: مرة حين تعرض للوجع، ومرة حين سمح لذلك الوجع بأن يغيّر قيمه ومبادئه.
النضج الحقيقي أن نتعلم من الخذلان دون أن نفقد قدرتنا على الحب، وأن نضع حدودًا تحمينا دون أن نعزل أنفسنا عن العالم، وأن ندرك أن التسامح لا يعني إعادة فتح الأبواب لمن اعتادوا العبور منها لإيذائنا، وأن الطيبة لا تعني أبدًا الاستسلام للاستغلال.
فليس مطلوبًا من الإنسان الطيب أن يتحمل كل شيء كي يثبت نقاء قلبه، ولا أن يمنح الفرص بلا نهاية كي يبرهن على حسن نيته. أحيانًا تكون المغادرة حفاظًا على الكرامة، ويكون الصمت أبلغ من العتاب، ويكون الابتعاد عن الأذى شكلًا من أشكال احترام النفس، لا دليلًا على الضعف أو العجز عن المواجهة.
إن أخطر ما في الشر أنه قد يأتيك في صورة إنسان يعرف أحلامك، ويحفظ تفاصيلك، ويطّلع على مواطن ضعفك، ثم يستخدم كل ما ائتمنته عليه ضدك. لكن أجمل ما في الإنسانية أن تجد من يعرف ضعفك، ومع ذلك يختار أن يحميك، ومن يملك القدرة على جرحك، لكنه يصون مشاعرك، ومن يستطيع استغلال ثقتك، لكنه يرى في الأمانة قيمة لا تقبل المساومة.
ولهذا، لا ينبغي أن نقيس الناس بملامحهم، ولا بعذوبة حديثهم، ولا بكثرة ما يعلنونه من مبادئ؛ بل بما يفعلونه حين يمتلكون القدرة على إيذاء غيرهم، وبطريقة تعاملهم مع من لا يملكون لهم نفعًا أو مصلحة، وباختياراتهم حين يغيب الرقيب ولا ينتظرون ثناءً من أحد.
فالأخلاق لا تظهر في الكلمات التي نرددها، وإنما في المواقف التي نُختبر فيها، والضمير لا يُقاس بما يدّعيه صاحبه، بل بما يمنعه من ارتكابه حتى حين يكون قادرًا على الإفلات من العواقب.
وفي النهاية، ربما لا يكون الإنسان أكثر الكائنات وحشية في كل الأحوال، لكنه يظل قادرًا على أن يمنح الأذى مبررات، وأن يكسو الخيانة بثوب الفضيلة، وأن يحوّل الظلم إلى حجة يدافع بها عن نفسه. وهو، في الوقت ذاته، قادر على كسر هذه الدائرة، واختيار العدل بدلًا من الظلم، والصدق بدلًا من الخداع، والرحمة بدلًا من الانتقام.
وما أحوجنا إلى عالم لا يُضطر فيه الطيبون إلى الاعتذار عن طيبتهم، ولا يخجل فيه المظلوم من رواية وجعه، ولا يُكافأ فيه الماكر على قسوته، ولا يُترك فيه القلب النبيل فريسةً لمن أتقنوا ارتداء أقنعة الإنسانية.
فأخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس أن يظهر فيها الشر، فوجوده حقيقة لا يمكن إنكارها، وإنما أن تعتاد عليه حتى تفقد قدرتها على استنكاره، أو أن ترى الظلم واقعًا أمامها فتختار الصمت، وكأن الأذى لا يعنينا ما دام لم يمسّنا.
فالإنسانية ليست أن نكون بشرًا في الصورة، بل أن نظل بشرًا في أفعالنا؛ لأن الوحشية لا تبدأ حين نمتلك القدرة على الإيذاء، وإنما حين نتخلى عن ضمائرنا ونمنح أنفسنا الحق في استخدام هذه القدرة ضد الآخرين
واخيراً يقول المصطفي صل الله عليه وسلم
: «إن من أحبِّكم إليَّ، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنَكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون».
حين يرتدي الشر قناع الإنسانية ⇧