شادية والذكاء الاصطناعي.. حين يتحوّل الإبداع إلى مسخ
بقلم: د. عبير العربي
لم تكن أزمة بوستر الفنانة الراحلة شادية في مهرجان القاهرة السينمائي مجرد خلاف على صورة، أو اختلاف في الأذواق حول معالجة فنية، وإنما فتحت بابًا مهمًا للنقاش حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرتنا على التمييز بين التطور التكنولوجي الذي يخدم الإبداع، والتكنولوجيا التي قد تسلبه روحه وهويته.
فقد أثار البوستر الذي حمل صورة شادية جدلًا واسعًا، مع اعتراضات على ملامح الصورة التي رأى منتقدون أنها لا تعبّر عن الهوية الحقيقية للفنانة التي عُرفت بملامحها المصرية الأصيلة وحضورها الفني الاستثنائي، كما أعلنت ناهد شاكر، ابنة شقيقة الفنانة الراحلة، اعتراضها على البوستر، وسط حديث عن تعديلات أُدخلت على الصورة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل ملامح شخصية فنية لا تحتاج إلى اختراع صورة جديدة لها، بينما تمتلك ذاكرتنا البصرية آلاف الصور الحقيقية التي تحفظ وجهها وتاريخها؟
شادية لم تكن مجرد وجه جميل يظهر على شاشة، ولم تكن ملامح يمكن إعادة تركيبها وفقًا لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، بل كانت حالة فنية وإنسانية متكاملة، حملت في صوتها وأدائها وملامحها جانبًا من روح المجتمع المصري وتحولاته الاجتماعية والثقافية.
كانت شادية ابنة زمنها، وشاهدة على تفاصيله، وقدّمت عبر أعمالها الفنية نماذج إنسانية عاشت بين الناس وعبّرت عن أحلامهم ومخاوفهم واحتياجاتهم، ولذلك، فإن استحضار صورتها في مهرجان سينمائي كبير ينبغي أن يكون استدعاءً لذاكرة فنية حقيقية، لا محاولة لإنتاج وجه جديد باسم التطور التكنولوجي.
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في تحويله من أداة مساعدة إلى بديل عن الإنسان والإبداع.
لقد أصبحنا نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتصميم والرسم والصورة، حتى كاد الاعتماد عليه يمتد إلى كل تفاصيل إنتاجنا الإبداعي. ومع كل هذه الإمكانات المبهرة، تظل هناك فجوة بين صورة تبدو قريبة من الحقيقة، وصورة تحمل الحقيقة ذاتها.
قد يمنحنا الذكاء الاصطناعي صورة جميلة ومثالية، وقد ينجح في إنتاج ملامح قريبة منا، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تكون هذه الملامح مطابقة لهويتنا الحقيقية، فالصورة ليست مجرد عينين وأنف وابتسامة؛ إنها هوية وذاكرة وتاريخ، وأحيانًا تكون جزءًا من وجدان أجيال كاملة.
وإذا كان الكاريكاتير، رغم مبالغاته الفنية، ينطلق من ملامح حقيقية ليعيد تقديمها برؤية ساخرة أو نقدية، فإن بعض المعالجات المولّدة بالذكاء الاصطناعي قد تنتهي إلى صورة غريبة عن صاحبها، لا تعكس ملامحه ولا روحه. وهنا يتحول التطوير، بدلًا من أن يضيف إلى الأصل، إلى تشويه له.
وليس معنى ذلك أن الذكاء الاصطناعي شر مطلق، أو أن علينا إغلاق أبواب التكنولوجيا في وجه الإبداع، فهذه الأدوات تتيح فرصًا واسعة للتجديد، ويمكن أن تقدم حلولًا مهمة في مجالات الفن والإعلام والسينما، لكن المشكلة تبدأ حين نمنح الأداة سلطة تتجاوز دورها، وحين نخلط بين الإبهار البصري والقيمة الفنية، وبين الصورة المصنوعة والهوية الحقيقية.
إن الذكاء الاصطناعي ليس صنمًا نعبده، ولا مرجعية نهائية نُسلّم لها ذائقتنا وقراراتنا، وإنما أداة ينبغي أن تظل تحت سيطرة الإنسان، وأن تخضع للمعايير المهنية والأخلاقية، ولحق أصحاب الصور وذويهم في الاعتراض، ولضرورة احترام الذاكرة الثقافية والفنية.
وكان من الممكن أن تكون صورة شادية الحقيقية، بما تحمله من أصالة وحنين وتاريخ، هي الاختيار الأكثر صدقًا وتأثيرًا على بوستر مهرجان القاهرة السينمائي، فليست كل مناسبة بحاجة إلى اختراع صورة جديدة، وليس كل استخدام للتكنولوجيا دليلًا على التقدم.
أحيانًا تكون أعظم درجات الإبداع هي أن نحافظ على الأصل، لا أن نعيد اختراعه.
إن أزمة بوستر شادية تستحق وقفة تتجاوز الصورة نفسها، وقفة تعيد طرح سؤال مهم أمام المؤسسات الثقافية والإعلامية: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي ليمنح إبداعنا أفقًا جديدًا، أم نسمح له بأن يحل محل ذاكرتنا البصرية وهويتنا الإنسانية؟
فشادية أكبر من أن تُختزل في تجربة تقنية، وتاريخها الفني أعمق من أن يحتاج إلى ملامح مصنوعة، لقد تركت لنا صورتها الحقيقية وأعمالها وصوتها، وكل ما نحتاج إليه هو أن نحسن تقديم هذا الإرث للأجيال الجديدة.
فحين يمتلك الفن ذاكرة حقيقية، لا ينبغي أن نسمح للتكنولوجيا بأن تصنع له وجهًا آخر.


