الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 01:07 صـ 29 ربيع آخر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

حين يدير السياسيون عمارة الوطن


بقلم: شعبان نصار
​إلى متى يظل المطبخ الإداري في المحليات يعاني من متلازمة التدخل الفوقي وإسناد الأمور لغير أهلها؟
​سؤال يطرح نفسه بقوة مع كل معاملة ترخيص متعثرة، وكل ملف تصالح حبيس الأدراج، وكل مواطن يقف سائلاً باستهجان: ما علاقة المحافظ ومساعديه وإدارات الديوان العام بالتفاصيل الفنية الدقيقة للبناء والتراخيص، والمراكز التكنولوجية، والمتغيرات المكانية، وبيان الصلاحية؟ وهنا يأتي السؤال الأطول والمطلوب البحث عنه والمتصل بالبوصلة التائهة: أين وزارة الإسكان؟
​في الوقت الذي تدير فيه مديرية الصحة ملف الصحة، وتفرض مديرية الزراعة سيادتها على ملف الزراعة، وتقود مديريات التموين والأوقاف والري زمام أمورها باحترافية وتخصص؛ نجد أن مديرية الإسكان هي الجهة الحكومية الوحيدة في الجهاز الإداري للدولة التي لا تمارس اختصاصاتها على أرض الواقع!
​فهي المديرية الوحيدة التي لا تدير ملف الإسكان والتراخيص والعمران على أرض الواقع. العجيب حقاً أن الإدارات الهندسية في مجالس المدن والأحياء تتبع المحليات والديوان العام، منفصلةً تماماً عن مديرية الإسكان المختصة فنياً وهندسياً. والنتيجة الحتمية لتلك البيروقراطية المتداخلة كانت واضحة؛ وهي وجود نتائج سلبية مزمنة، وتخبط في التخطيط، وتعطيل لمصالح المواطنين.
​وهنا نعيد السؤال: لماذا تشتعل أزمة التراخيص والعمران؟
​المركزية المفرطة: وإصرار ديوان عام المحافظة على إدارة التفاصيل الصغيرة جداً؛ مما يحول المحافظ ومساعديه إلى مهندسي تنظيم، بدلاً من التركيز على التخطيط الاستراتيجي والمتابعة العليا.
​إسناد الأمر لغير أهله: مع تولي غير المختصين اتخاذ قرارات فنية وهندسية بحتة؛ مما يخلق بيئة خصبة للتعقيد الإداري والروتين القاتل.
​غياب دور المديريات: وتهميش دور مديريات الإسكان الفنية والاكتفاء بدور شكلي، رغم أنها تمتلك الكوادر والخبرات الهندسية القادرة على إدارة الملف باحترافية.
​شلل المراكز التكنولوجية: وتحول المراكز المخصصة لخدمة المواطنين إلى مجرد محطات انتظار بسبب كثرة الجهات الرقابية والتدخلات من خارج التخصص.
​وبعد كل هذا الطرح والسؤال: ما هي روشتة علاج تلك الأزمة المفتعلة بدون أسباب واضحة؟ بالتأكيد العودة إلى الأصل، وهنا يأتي الحل.
​الحل ليس مستحيلاً، ولكنه يحتاج إلى شجاعة إدارية وتشريعية من خلال:
١. تمكين أهل الاختصاص: وعودة الإدارات الهندسية ومتابعة ملفات التراخيص والعمران لتتبع فنياً وهندسياً مديرية الإسكان، باعتبارها الجهة الأصيلة والأقدر على إدارة هذا الملف.
٢. تصحيح مسار الديوان: وأن يقتصر دور المحافظ ومساعديه وإدارات الديوان العام على المتابعة والرقابة العليا والتنسيق مع وكلاء الوزارة، لا الغرق في المستندات اليومية ورخص المحلات والتصالح.
٣. تحرك تشريعي عاجل: إن لزم الأمر، مع ضرورة التقدم بمقترح قانون حاسم إلى لجنة المقترحات والشكاوى بمجلس النواب لإعادة هيكلة هذه المنظومة على مستوى الجمهورية، وليس في محافظة الفيوم وحدها.
​ما دامت الإدارات الهندسية والمحليات تعمل بمعزل عن التخصص، ستظل مشاكل التراخيص والأحوزة العمرانية والتخطيط العمراني قائمة بلا حلول جذرية.
​فهل يجد هذا النداء أذناً صاغية لدى المسؤولين والنواب قبل أن يختنق قطاع العمران تماماً؟

⇧