العقيد حلمي زكي عبد العزيز: «رائحة البارود كانت أحلى من أي عطر.. ولم نفكر إلا في مصر»
- «علمنا موعد العبور قبل 3 ساعات فقط.. و70 لـ80 ألف جندي عبروا قناة السويس في توقيت واحد».
بعد 53 عامًا على حرب أكتوبر، يستعيد العقيد حلمي زكي عبد العزيز، أحد أبناء اللواء 16 مشاة والكتيبة 18 مشاة، تفاصيل الأيام التي سبقت العبور واللحظات الأولى للحرب.
*من حائط الصواريخ والخداع الاستراتيجي إلى عبور القناة ومواجهة الساتر الترابي، يروي أحد أبطال الكتيبة 18 مشاة شهادته عن معركة استعادة الأرض.*
🔴 من حرب الاستنزاف.. بدأ طريق العبور
** يقول العقيد حلمي زكي عبد العزيز، انه شارك في الحرب برتبة نقيب، قائد سرية.
و بعد 67، بدأ بناء الجيش المصري واستعدنا السلاح، وتخرجي من الكلية الحربية سنة 69، تزامن في هذا الوقت مع حرب الاستنزاف حتى في سبتمبر 70، عندما تم وقف إطلاق النار وهو كان فرصة عظيمة لنا.. مشيرا إلى
نقطة مهمة يحدث فيها لغط من النشطاء والإعلاميين وهي: " أنه كان لا يجب أن نوافق على وقف إطلاق النار، لقيامنا بعمليات عبور تسبب خسائر كبيرة جدا في الجانب الآخر"
🔴 «ضربة معلم».. هكذا بدأ بناء حائط الصواريخ
ولماذا كان وقف إطلاق النار مهمًا في هذه المرحلة؟
*ج:* أثناء حرب الاستنزاف أولًا استحالة القيام بحرب دون بناء حائط صواريخ لانه سيقوم بتغطيتنا عسكريا أثناء العبور وأثناء تحقيق المهمة المباشرة.
وعندما نشرع في بناء قاعدة صواريخ، كانت الأقمار الصناعية الأمريكية تصور أوضاع قواتنا وتنقلها للجانب الآخر فيقوم بضربها فكان من المستحيل أن نحارب بدونه
فالحقيقة كانت، وأنا أعتبرها *ضربة معلم من الراحل جمال عبد الناصر*، إنه وافق على وقف إطلاق النار لكي نستطيع بناء حائط الصواريخ
وبالفعل، خلال الفترة من سبتمبر 70 تم بناء حائط الصواريخ على طول الجبهة، وهو السبب الرئيسي الذي جعل الرئيس الراحل أنور السادات يتخذ قرار الحرب.
🔴 الأسلحة تتزايد.. والحرب تقترب
: متى بدأ الشعور بأن التدريبات تحولت إلى استعداد حقيقي للحرب؟*
في شهري أغسطس وسبتمبر تم عمل مشروع مختلف تمامًا عن المشاريع السابقة وجدنا أعدادًا كبيرة من التخصصات الحرجة، مثل الأفراد المسؤولة عن الصواريخ والفهد والأسلحة المضادة للدبابات وأسلحة بأعداد كبيرة جدًا تشارك في المشروع وبعد انتهاء المشروع كان من المفروض من تم استدعاؤهم أن يعودوا مثل كل مرة لكن وجدنا أن حوالي 30% عادوا، وظل الباقي متواجدا، خصوصًا التخصصات الحرجة.
كما وجدنا كم كبير جدًا من الأسلحة لازال موجود وبدأ بناء أماكن للدبابات والمدفعية على طول الجبهة.
فتيقنا أنه ليس مشروع بل تحضير لعملية كبيرة.**
# 🔴 «البراطيم والقوارب».. لحظة اكتشاف الحقيقة
وما العلامات التي أكدت أن العملية أصبحت قريبة؟
وجدنا إمدادات تصلنا للذخيرة ودانات المدفعية وصواريخ سام 7، على مستوى عال جدًا
وكان هناك تنسيق بين الكتيبة 18 والكتيبة 16، وكان قائد الكتيبة 16 في ذلك الوقت المرحوم المقدم أركان حرب محمد حسين طنطاوي.
ثم وجدنا الدبابات بدأت تخندق.. ووجدنا سيارات قادمة تحمل «البراطيم» التي سيتم وضعها في قناة السويس لعمل كباري وسيارات أخرى تحكلظ القوارب المطاطية.
🔴 الخداع الاستراتيجي.. «مجموعة تصطاد ومجموعة تلعب كرة»
وكيف تم الحفاظ على سرية العملية؟*
قسمنا نفسنا مجموعات.
مجموعة تنزل على قناة السويس ومعاها أدوات صيد على أساس إنها بتصطاد. ومجموعة أخرى تلعب الكوة.ومجموعة أخرى تغسل ملابسها .
هذا كان *الخداع على مستوى الوحدات الصغيرة*.
وفي يوم 3 أكتوبر جات تعليمات بالسماح للقوات المسلحة بالإفطار في رمضان.
لكن لا أحد يستطيع أن يتحمل مثل هذا القرار إلا إذا كان هناك عمليات بالفعل فتيقنا إن الحرب خلال يومين أو تلاتة.
🔴 ثلاث ساعات فقط.. ثم جاءت ساعة الصفر
ومتى عرفتم الموعد الحقيقي للعبور؟
يوم السبت 6 أكتوبر دفعنا الأفراد الساعة 9 الصبح.
وفي الساعة 11 جاء ظرف سري للغاية لقائد الكتيبة.
جمعنا كضباط وقال لنا إن العبور سيتم الساعة 2 وثلث بعد ضربة القوات الجوية والمدفعية.
أي عرفنا الميعاد قبلها *3 ساعات فقط*.
ورجع كل فرد في كل المجموعات التي كانت موجودة على القناة، والتي كانت تلعب الكرة والتي كانت تصطاد، إلى مهمته الحقيقة
🔴 «رائحة البارود كانت أحلى من أي عطر»
ماذا تتذكر من اللحظات الأولى لبدء الحرب؟
الساعة 2 بالضبط.
المانع المائي في تاريخ الحروب في العالم هو أصعب مانع موجود في التاريخ.
لكن استطعنا تعويض فرق التسليح الرهيب بالخداع الاستراتيجي الذي أدى إلى المفاجأة.
المفاجأة دي 60% من النصر.
والعدو شعر قبلها يمكن بـ48 ساعة، وهذا مذكور في مذكرات موشيه ديان، إن في شيء.
لكن قوة الخداع الاستراتيجي، هي أكبر خداع استراتيجي حصل في تاريخ الحروب بواسطة العقيد أركان حرب أحمد نبيه، رحمة الله عليه، التي جعلت الأمور سهلة بالنسبة لنا.
🔴 «لم نفكر إلا في مصر»
وماذا كان شعوركم لحظة مرور الطائرات؟
الطيران عندما مر من فوقنا وسمعنا الانفجارات وشممنا رائحة البارود..الي تسبب ضيق في النفس إلا أنها بالنسبة لنا كانت
المفروض ريحة البارود بتكتم النفس.أحلى من أي عطر في العالم.
رفعت روحنا المعنوية ولم يفكر أحد في الموت
*ولم نفكر إلا في مصر* وكانت روحنا المعنوية عالية جدا.
🔴 220 طائرة.. و2000 ماسورة مدفع
وكيف جرت عملية العبور؟
عاد الطيران بعد حوالي 8-9 دقائق بعد ما أدى مهمته.
وبعد الطيران بدأت المدفعية.
كان عدى *220 طيارة*.
وفقدنا 5 طيارات
وكان المفروض من 10 لـ15% نفقدهم من الطيران.
وبدأت المدفعية تضرب على طول الجبهة.
*2000 ماسورة مدفع.*
وبعدها أخذنا القوارب ونزلنا قناة السويس للعبور
وكان حوالي *70 لـ80 ألف جندي* بيعدوا قناة السويس في توقيت واحد.
🔴 «استحالة أحد يقدر يعدي».. ثم سقطت النقاط القوية
ما أصعب العقبات التي واجهتكم بعد عبور القناة؟
أول صعوبة كانت قناة السويس.
والثانية صعوبة كانت النقط القوية.
فمن يرى نقطة قوية سيقول: استحالة أي حد يقدر يعدي من قناة السويس من تجهيزات النقطة والأسلحة الموجودة فيها.
ولكن تغلبنا عليها ببناء حاجة اسمها مصاطب في الغرب، وكانت خطة المرحوم الفريق سعد الشاذلي.
🔴 مواسير النابالم.. «لا يوجد أي سنتيمتر نابالم أثناء عبورنا»
وكيف تم التعامل مع خطر النابالم؟
كان هناك مواسير تحت قناة السويس، وكان الهدف إن النابالم يطفو فوق المية ويحترق.
لكن اللواء إبراهيم شكيب، رحمة الله عليه، مع مجموعته استطاعوا أن يبطلوا هذه المواسير ويسدوها.
ويوم 5 بالليل عدى من قطاعنا اتنين من الضفادع البشرية، ونزلا قناة السويس وسدا الفتحات باستخدام أسمنت حديدي.
*ولايوجد أي سنتيمتر نابالم أثناء عبورنا.
🔴 الساتر الترابي.. 22 مترًا أمام الجنود
وكيف تغلبتم على الساتر الترابي؟
الساتر الترابي كان ارتفاعه *22 مترا*.
وكانت تدريباتنا أكثر على صعود الساتر، لكن لم نستطيع بناؤه مثل الحقيقي 22 مترا. وكان يتم بناؤه بارتفاع في حدود 8-9 مترات
وكان الحل السلم الخشبي والحبلي
لأن الصعود بالطريقة العادية كان سيأخذ نحو نصف ساعة لكن السلم الخشبي ساعدنا إن نصعد في خلال *7-8 دقائق*.
وأول ما وقفنا على نهاية الساتر، رأينا الدبابات والسيارات الإسرائيلية وهي تهرع ناحية الشرق. وهذا المسهد لا تنساه متذ *53 سنة*.
🔴 المهمة الأخطر.. «أياً كانت النتيجة لازم أحقق المهمة»
حضرتك وصفت إحدى المهام بأنها كانت «انتحارية».. ماذا حدث؟
القوات المهاجمة بعد ما بتحقق مهمتها بتفقد كمية كبيرة جدًا من الذخيرة.
فلازم استعواض ذخيرة.
أنا خدت المهمة ورجعت إلى الغرب. وعديت قناة السويس وجهزت *خمس سيارات ذخيرة* بكل الأعيرة الموجودة، من أول طلقة المسدس حتى دانة المدفع المضاد للدبابات.
وعند نقطة الدفرسوار، وهي من أقوى النقط ، وبدأ العدو يصوب نحونا *المهمة لازم أحققها.. أياً كانت النتيجة لازم أحقق المهمة.
🔴 قرار في ثوانٍ.. وعربة الجيب في مواجهة النقطة القوية
وكيف تعاملت مع النيران؟
وقفت في مكان آمن وقدرت الموقف.
ولم أجد إلا حل واحد.
إني آخذ السيارة الجيب وألف من ناحية الشرق وأكون في مواجهة النقطة القوية.
ومن كان معي حذروني أن السيارة سيتم تدميرها وأنا فيها.
فقولت لهم: لا يهم أريد أن أصل للنقطة القوية.
والسيارة كانت ممونة بنزين، وتدميرها ينتج عنه كمية من الدخان كبيرة جدًا واتفقت مع السائقين إن أول ما يحدث تعتيم على النقطة القوية يذهبوا على الوحدة. وفعلًا خرجت ومعايا ضابط وسواق. وضربوا علينا حتى قرب النقطة. ونزلنا بسرعة.واستمروا في ضرب السيارة الجيب حتى اتدمرت تمامًا، ونتج عنها دخان كثيف جدًا جدًا. وتحرك السائقون بالسيارات إلى الوحدة. وهكذا نجحت في مهمتي.
بعدها أصيب الضابط الذي يرافقني ثم أصبت أنا والحمد لله على كل حال.


