الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 01:28 صـ 22 ربيع آخر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

ماجي المصري

أكتوبر.. حين انتصرت إرادة الشعب وتلاحمت الامة

ماجي المصري
هناك أيام لا تمر في ذاكرة الشعوب كما تمر غيرها من الأيام،
ايام تحفر في ذاكرة الأمة بحروف من نور وتظل أحداثها تتناقل عبر الأجيال أنها ايام العزة والكرامة ورد الاعتبار
ايام نتحدث فيها عن ملحمة تاريخية وفخر واعتزاز للأمة المصرية
هذه الأيام التي صنعتها الإرادة وسوف تظل حاضرة ومحفورة في الذاكرة مهما مرت عليها السنوات.
ومن بين تلك الأيام تطل علينا ذكري السادس من أكتوبر عام 1973،
يوم أعلنت مصر وسوريا حربها ضد إسرائيل، في مواجهة أعادت إلى المصريين والعرب شعورًا ظل غائبًا منذ هزيمة يونيو 1967.
وقد استمرت العمليات العسكرية حتى صدور قرار وقف إطلاق النار في أواخر ضأكتوبر.
لكن أكتوبر لم يكن قصة جيش فقط. وانتصار علي ارض المعركة
اكتوبر كان قصة شعب آمن بجيشه، وجيش حمل إرادة شعبه، وأمة عربية وجدت في المعركة قضية مشتركة.
الجيش والشعب.. قلب واحد
في سنوات ما بعد 1967
لم تكن مصر تعيش مجرد آثار هزيمة عسكرية،
وإنما كانت تعيش جرحا في الذاكرة والكرامة. ومع ذلك، لم تتحول الهزيمة إلى استسلام. بل كانت بداية النهاية
نهاية غضرسة الدولة الإسرائيلية ورفضها لكافة الحلول السلمية ورفض الجلوس علي طاولة المفاوضات وايضا ورفضها تطبيق القرارات الدولية وقرار 242 والذي تضمن عودة جميع الاراضي التي احتلتها إسرائيل في 1967
كان المصري البسيط يعرف أن المعركة لم تنتهِ، وان الهزيمة ما هي إلا نقطة البداية
وأن استعادة الأرض قادم لا محالة فقط يحتاج إلى الصبر والاستعداد والعمل والتلاحم
حتي حان الموعد المنتظر يوم السادس من أكتوبر، جاءت اللحظة الحاسمة التي انتظرها المصريون.
عندما عبر الجيش المصري قناة السويس وبدأت القوات المسلحة المصرية في اقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، وتوالت اخبار النصر العظيم تحولت الأخبار إلى فرحة امتدت من البيوت إلى الشوارع.
لم يكن المواطن المصري يقف بعيدًا عن المعركة؛ كان يشعر أن ما يحدث على الجبهة يمس بيته وكرامته ومستقبل وطنه.
وهنا ظهرت واحدة من أهم رسائل أكتوبر:
أن الجيش القوي لا يعيش منفصلًا عن شعبه، وأن إرادة الشعب يمكن أن تكون مصدرًا هائلًا للصمود.
لم تكن مصر وحدها
ومن الخطأ أن ننظر إلى حرب أكتوبر باعتبارها حدثا مصريا منفصلا عن محيطه العربي.
فقد تضامنت الدول عربية بأشكال مختلفة في دعم المجهود الحربي، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وفي مقدمتها سوريا التي دخلت الحرب في الجبهة الشمالية بالتزامن مع مصر.
لكن الدعم العربي لم يتوقف عند الجبهات.
ففي أكتوبر 1973، تحول النفط إلى سلاح قوي ينافس أسلحة الميدان سياسيا واقتصاديا؛
إذ أعلنت الدول العربية الأعضاء في منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوبك» خفض الإنتاج،
وحظر تصدير النفط للدول المساندة لإسرائيل
وكان للموقف العربي المشرف عظيم الأثر علي سير المعركة حيث يعد من أهم أسباب الانتصار
وكان لهذا القرار أثر عالمي كبير؛ فقد ارتفعت أسعار النفط بصورة حادة، وأصبحت أزمة الطاقة واحدة من أبرز نتائج حرب أكتوبر على الاقتصاد العالمي.
وهنا يتجلى معنى مختلف للتضامن العربي:
لم يكن الدعم العربي كلمة تقال، وإنما تحول في عام 1973 إلى مواقف سياسية واقتصادية كان لها تأثير يتجاوز حدود المنطقة.
أكتوبر حالة فريدة .. فرحة المصريين وصدمة إسرائيل
في مصر، كانت الفرحة عارمة و أكبر من مجرد فرحة بانتصار عسكري.
كانت فرحة شعب شعر أن سنوات الانكسار لم تكن النهاية.
فرحة أم تنتظر عودة ابنها، وأب يرى وطنه يستعيد ثقته بنفسه، وطفل يسمع لأول مرة أن الجيش المصري عبر القناة واستعاد زمام الأمور
فرحة بعودة كرامة الجندي المصري فرحة باستعادة العزة والكرامة والشرف للجيش المصري العظيم
وكان الحال علي النقيض علي الجانب الآخر، حيث خيم الحزن علي سماء إسرائيل
وتسببت أحدثت الحرب في صدمة عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وخصوصا
بسبب عنصر المفاجأة والخسائر التي تكبدتها القوات الإسرائيلية في الأيام الأولى من الحرب حيث أصيبت إسرائيل بصدمة افقدتها السيطرة وجعلتها تتخبط دون اتزان
وجاء النصر الذي لم يكن مجرد عبورا لقناة بل كان رد اعتبار وكرامة الإنسان والإنسانية والجيش والشعب .
فالقيمة التاريخية للحرب لم تكمن فقط في تفاصيل المعارك،
وإنما في أنها أثبتت أن الهزيمة ليست واقعا مسلما به وأن الشعوب تستطيع أن تستعيد ثقتها بنفسها عندما تمتلك الإرادة والاستعداد والقدرة على العمل.
كما أثبتت أن التضامن العربي، عندما يتحول إلى موقف عملي، يستطيع أن يكون له تأثير سياسي واقتصادي على المستوى الدولي.
لقد خرج المصريون من أكتوبر وهم يحملون شعورا جديدا:
نحن نستطيع.
وهذه ربما كانت أعظم نتائج أكتوبر.
وما الذي بقي من أكتوبر؟
بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال روح أكتوبر حاضرة في الذاكرة المصرية والعربية؛ لأنها لم تكن مجرد صفحة في كتاب التاريخ.
بل كانت لحظة اجتمعت فيها إرادة شعب، وتضحيات جيش، ودعم عربي، وقرار سياسي، فصنعت حدثا غير عاديا قلب موازين السياسية في المنطقة وفتح الطريق أمام تحولات سياسية ودبلوماسية كان من المستحيل أن تحدث
لولا الانتصارات علي أرض المعركة
وقد وثقت السجلات الأمريكية الرسمية أن حرب 1973 كانت نقطة تحول مهمة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط،
كما ارتبطت مباشرة بأزمة النفط والمفاوضات التي أعقبت الحرب.
ولهذا،
حين نتحدث عن أكتوبر، لا ينبغي أن نتحدث فقط عن الماضي.
بل علينا أن نتذكر قوة الإرادة.
فالأوطان لا تبنى بالسلاح وحده، ولا تنتصر الشعوب بالصوت العالي،
وإنما تنتصر عندما يصبح لديها هدف واضح، وإرادة حقيقية، وقدرة على الصمود، وشعب يعرف أن جيشه جزء منه وليس بعيدًا عنه.
في أكتوبر، عبر الجيش المصري قناة السويس، لكن الشعب المصري أيضًا عبر من حالة الانكسار إلى الثقة.
وهذه هي الحكاية التي تستحق أن تبقى حية في ذاكرة الأجيال.
حكاية وطن.. اسمه مصر.
أكتوبر.. حين انتصرت إرادة الشعب وتلاحمت الامة ⇧