في وقت ما، كان يكفي أن يحصل الإنسان على وظيفة جيدة، وأن يؤسس بيتًا، وأن يعيش حياة مستقرة، حتى يشعر أنه نجح. أما اليوم، فقد أصبحت قائمة النجاح أطول من أن تنتهي: وظيفة أفضل، دخل أكبر، جسد مثالي، منزل أجمل، سفر أكثر، أبناء متفوقون، علاقات ناجحة، حضور اجتماعي، وتطوير مستمر للذات.
المشكلة أننا لم نعد نطارد النجاح فقط، بل أصبحنا نطارد نسخة مثالية من أنفسنا لا وجود لها في الواقع.
كلما وصل الإنسان إلى محطة، وجد أمامه محطة أخرى. وكلما حقق إنجازًا، سرعان ما اعتاد عليه وبدأ يبحث عن إنجاز أكبر. وكأن الحياة تحولت من رحلة إلى سباق لا توجد له خط نهاية.
حين أصبح الإنجاز واجبًا
أحد أكثر الأشياء إرهاقًا في الحياة الحديثة أن الإنسان لم يعد يسمح لنفسه بأن يكون عاديًا.
أن تكون موظفًا جيدًا لم يعد كافيًا؛ يجب أن تكون متميزًا.
أن تعمل وظيفة مستقرة لم يعد كافيًا؛ يجب أن تطور نفسك باستمرار.
أن يكون لديك دخل مناسب لم يعد كافيًا؛ يجب أن تبحث عن مصدر دخل إضافي.
حتى الراحة أصبحت مرتبطة بالإنتاجية.
ننام لكي نستطيع العمل، ونمارس الرياضة لكي نبدو أفضل، ونتعلم لكي نحصل على فرصة أفضل، ونأخذ إجازة لكي نعود أكثر قدرة على العمل.
وكأن الإنسان لم يعد يملك حق أن يفعل شيئًا لمجرد أنه يستمتع به.
السوشيال ميديا.. مصنع المقارنات
ربما لم يكن الإنسان في أي وقت مضى معرضًا لهذا الكم من المقارنات اليومية.
تفتح هاتفك صباحًا، فتجد شخصًا في عمرك اشترى منزلًا، وآخر سافر إلى بلد جديد، وثالثًا بدأ مشروعًا ناجحًا، ورابعة أصبحت أكثر رشاقة، وآخر يتحدث عن إنجازاته المهنية.
أنت تعرف أن هذه الصور لا تمثل الحياة كاملة، لكن عقلك لا يتعامل معها دائمًا بهذه الطريقة.
نحن نقارن كواليس حياتنا باللحظات التي يختار الآخرون عرضها.
وهنا تبدأ المشكلة.
قد تشعر أنك متأخر، بينما أنت في الحقيقة تسير في طريق مختلف.
وقد تنظر إلى حياة شخص آخر وتتساءل: لماذا لم أصل إلى ما وصل إليه؟
من دون أن تعرف كم استغرق الأمر منه، وما الذي ضحى به، وما الذي لا يظهر في الصورة أصلًا.
النجاح الذي لا يجعلنا سعداء
المفارقة الأكبر أن الإنسان قد يصل بالفعل إلى الأشياء التي كان يعتقد أنها ستجعله سعيدًا، ثم يكتشف أنه لا يشعر بالسعادة التي تخيلها.
يحصل على الوظيفة التي حلم بها، ثم يكتشف أنها تستنزفه.
يشتري المنزل الذي انتظره سنوات، ثم يبدأ التفكير في منزل أكبر.
يزداد دخله، فتزداد معه احتياجاته.
يحقق إنجازًا، فيمنحه لنفسه يومًا واحدًا للاحتفال، ثم يبدأ في التفكير في الإنجاز التالي.
وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من الأهداف، بينما تختفي لحظة التوقف التي نسأل فيها أنفسنا: هل أنا سعيد أصلًا؟
لماذا أصبح الفشل مخيفًا إلى هذا الحد؟
ربما لأن المجتمع أصبح أكثر قسوة في تعريفه للناجح.
الفشل لم يعد مجرد تجربة يمكن التعلم منها، وإنما أصبح في أحيان كثيرة وصمة.
الشاب الذي لم يجد وظيفة مناسبة يشعر أنه متأخر.
من تأخر في الزواج يشعر أنه مختلف.
من لم يستطع شراء منزل يشعر أنه لم يحقق ما يكفي.
ومن اختار حياة أبسط قد يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن اختياره أمام الآخرين.
حتى القرارات الشخصية أصبحت تحتاج إلى تبرير اجتماعي.
لماذا لم تسافر؟
لماذا لم تغير عملك؟
لماذا لم تبدأ مشروعًا؟
لماذا لم تتزوج؟
لماذا لم تنجب؟
لماذا لا تملك مثل فلان؟
أسئلة تبدو عادية، لكنها قد تتحول مع تكرارها إلى ضغط نفسي مستمر.
ربما نحتاج إلى تعريف جديد للنجاح
المشكلة ليست في الطموح.
الطموح شيء صحي، والرغبة في التطور هي التي تدفع المجتمعات إلى الأمام.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان غير قادر على تقدير ما لديه لأنه منشغل دائمًا بما ينقصه.
ربما نحتاج إلى تعريف أكثر إنسانية للنجاح.
أن تنجح يعني أن تستطيع أن تعيش دون أن تفقد نفسك.
أن تعمل دون أن يتحول العمل إلى حياتك كلها.
أن تحقق أهدافك دون أن تدفع صحتك وعلاقاتك ثمنًا لها.
أن تستطيع أن تقول «كفى» دون أن تشعر بالذنب.
وأن تدرك أن الراحة ليست كسلًا، وأن الحياة ليست مسابقة، وأن الإنسان ليس مشروعًا مفتوحًا للتحسين إلى الأبد.
ليس كل تأخر فشلًا
هناك أشخاص يصلون مبكرًا، وآخرون يصلون متأخرين.
هناك من يكتشف شغفه في العشرين، ومن لا يعرف ما يريد إلا بعد الأربعين.
هناك من ينجح في عمله، وهناك من يجد نجاحه الحقيقي في أسرته.
وهناك من يغير طريقه بالكامل بعد سنوات لأنه اكتشف أن الطريق القديم لم يكن طريقه أصلًا.
لا يوجد توقيت واحد صالح للجميع.
وربما تكون إحدى أكثر الأفكار ظلمًا للإنسان الحديث هي الاعتقاد بأنه إذا لم يحقق أشياء معينة في عمر معين، فقد فشل.
الحياة ليست جدولًا زمنيًا موحدًا.
وماذا لو كان النجاح الحقيقي هو ألا نخسر أنفسنا؟
ربما حان الوقت لأن نتوقف قليلًا عن سؤال: «ماذا حققت؟»
ونسأل سؤالًا أكثر أهمية:
«ماذا حدث لي وأنا أحاول أن أحقق كل ذلك؟»
هل أصبحت أكثر هدوءًا أم أكثر قلقًا؟
هل أصبحت أقرب إلى الأشخاص الذين تحبهم أم أبعد عنهم؟
هل أصبحت حياتك أفضل فعلًا، أم أصبحت فقط أكثر امتلاءً بالمهام؟
في النهاية، ليس الهدف أن نصل إلى أعلى نقطة في سباق لا نعرف من وضع قواعده.
ربما الهدف أن نصل إلى نهاية الطريق ونحن لا نشعر أننا قضينا حياتنا كلها نحاول أن نثبت للآخرين أننا نستحق أن نكون سعداء.
فالنجاح الذي يأخذ منك نفسك بالكامل، قد يكون إنجازًا كبيرًا في نظر العالم...
لكنه ربما لا يكون نجاحًا بالمعنى الذي يستحق أن نعيش من أجله.