الإثنين 5 أكتوبر 2026 07:32 مـ 22 ربيع آخر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

صابر سكر يكتب: نموذج «8» والتعلية خارج الحيز.. هل تخالف الوحدات المحلية القانون؟

يثار بين المواطنين وأصحاب العقارات الحاصلين على نموذج «8» بقبول التصالح وتقنين الأوضاع، تساؤل مهم: هل يحق لمن صدر لصالحه قرار بقبول التصالح عن منزل مقام خارج الحيز العمراني، أن يتقدم بطلب للحصول على رخصة تعلية أو استكمال البناء وإقامة أدوار أخرى؟
الواقع العملي يكشف عن امتناع بعض المراكز التكنولوجية لخدمات المواطنين التابعة للوحدات المحلية عن استخراج تراخيص التعلية والاستكمال للحاصلين على نموذج «8»، بحجة عدم صدور قانون أو تعليمات صريحة في هذا الشأن.
وهنا يثور السؤال: هل يتفق هذا الامتناع مع صحيح القانون؟
قرار التصالح.. هل أصبح ترخيصًا منتجًا لآثاره؟
بالرجوع إلى المادة التاسعة من القانون رقم 187 لسنة 2023 بشأن التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها، نجد أنها قررت أن قرار قبول التصالح وتقنين الأوضاع يترتب عليه، فضلًا عن الآثار المتعلقة بالدعاوى والتحقيقات والعقوبات، أن قرار التصالح وتقنين الأوضاع يُعتبر بمثابة ترخيص منتج لآثاره.
وهذه العبارة ليست مجرد صياغة قانونية عابرة، وإنما يترتب عليها أثر قانوني مهم؛ إذ إن قبول التصالح وتقنين الأوضاع ينقل العقار من مركز قانوني كان مرتبطًا بمخالفة بناء إلى مركز قانوني جديد، تقرر فيه الجهة المختصة قبول التصالح وتقنين الوضع.
ومن ثم، فإن التساؤل لا ينبغي أن يكون فقط: هل العقار يقع خارج الحيز العمراني؟
وإنما يجب أن يكون أيضًا: ما الأثر القانوني المترتب على صدور قرار نهائي بقبول التصالح وتقنين الوضع؟
هل يبقى العقار «مخالفًا» بعد قبول التصالح؟
الأصل أن قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 وضع حظرًا على إقامة المباني والمنشآت خارج حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن، مع تحديد الحالات والاستثناءات التي أجاز فيها القانون إقامة بعض المباني خارج تلك الحدود، وفقًا للضوابط المقررة.
لكن عندما تتدخل الدولة من خلال قانون التصالح، وتصدر الجهة المختصة قرارًا بقبول التصالح وتقنين الأوضاع، فإن الأمر لا يقف عند مجرد وقف الإجراءات الجنائية أو الإدارية المتعلقة بالمخالفة، وإنما يرتب القانون على قرار التصالح آثارًا قانونية، من بينها اعتباره بمثابة ترخيص منتج لآثاره.
ومن هنا يمكن القول إن التمسك بمجرد وقوع العقار خارج الحيز العمراني، بعد صدور قرار قبول التصالح وتقنين وضعه، لا يكفي وحده ـ بحسب هذا الاتجاه القانوني ـ لتبرير رفض بحث طلب التعلية أو الاستكمال.
فتوى مجلس الدولة.. وحكم القضاء الإداري
ويتعزز هذا الاتجاه بما أُشير إليه من فتوى للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، انتهت إلى أحقية من حصل على نموذج «8» بقبول التصالح في استخراج رخصة تعلية، دون حاجة إلى موافقة وزير الزراعة، وذلك وفقًا للوقائع والضوابط التي تناولتها الفتوى.
كما أُشير إلى حكم محكمة القضاء الإداري رقم 16760 لسنة 12 ق بجلسة 30 مارس 2026، باعتباره من الأحكام التي أكدت أن قبول التصالح وتقنين الأوضاع يرتب لصاحب الشأن مركزًا قانونيًا يسمح له بالاستفادة من الآثار المترتبة على قرار التصالح، ومنها التقدم للحصول على التراخيص اللازمة للأعمال اللاحقة، متى استُوفيت شروطها القانونية والفنية.
وهنا تظهر أهمية التفرقة بين أمرين:
الأول: تقنين وضع المبنى والأعمال التي شملها قرار التصالح.
والثاني: الحصول على ترخيص جديد لأعمال التعلية أو الاستكمال أو الإحلال والتجديد.
فالأخير لا يعني إعفاء صاحب العقار من الاشتراطات الفنية والهندسية والتخطيطية، وإنما يعني ـ في تقديري ـ أن صدور نموذج «8» لا ينبغي أن يكون في ذاته سببًا تلقائيًا لغلق الطريق أمامه، والتعامل مع العقار باعتباره ما زال قائمًا على مجرد مخالفة لم تتم تسويتها.
وماذا عن أصحاب نموذج «10»؟
تزداد المسألة وضوحًا عند النظر إلى ما قررته اللائحة التنفيذية لقانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 بشأن أصحاب نموذج «10» من أحقية في استخراج تراخيص التعلية والاستكمال، وفقًا للقواعد والاشتراطات المقررة.
ومن هنا يثور تساؤل آخر حول مدى جواز التفرقة بين مراكز قانونية متقاربة، في ظل كون كلا النموذجين يرتبطان بإجراءات تقنين أوضاع المباني المخالفة.
فمبدأ المساواة أمام القانون يقتضي عدم التفرقة بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة بغير سند قانوني موضوعي يبرر هذه التفرقة.
أين تكمن المشكلة إذن؟
المشكلة الحقيقية ليست في أن صاحب نموذج «8» يستطيع أن يبني كيفما شاء، فذلك غير صحيح.
وإنما المشكلة في أن تتحول عبارة «العقار خارج الحيز العمراني» إلى سبب مطلق لرفض مجرد السير في إجراءات الترخيص، رغم صدور قرار بقبول التصالح وتقنين الوضع، ودون بحث باقي الشروط القانونية والفنية المتعلقة بطلب التعلية.
فإذا كان القانون قد رتب على قرار التصالح وتقنين الأوضاع أثرًا قانونيًا، واعتبره بمثابة ترخيص منتج لآثاره، فإن التعامل مع صاحب نموذج «8» باعتباره لم يحصل على أي وضع قانوني جديد، يحتاج إلى سند قانوني واضح.
إذا رفضت الوحدة المحلية.. ماذا يفعل صاحب الشأن؟
في حالة رفض الجهة الإدارية طلب التعلية أو الاستكمال، يجب أن يكون الرفض قائمًا على سبب قانوني محدد ومعلن، وليس مجرد القول بعدم وجود تعليمات.
ولصاحب الشأن أن يتقدم بطلب رسمي ويحصل على ما يفيد موقف الجهة الإدارية، ثم يتظلم من القرار.
وإذا استمر الرفض أو الامتناع عن اتخاذ الإجراء القانوني، يكون من حقه اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة للطعن على القرار الإداري، والمطالبة بإلزام الجهة المختصة بالسير في إجراءات الترخيص، متى كان مستوفيًا لباقي الشروط المقررة قانونًا....
ونحن نري ، أن نموذج «8» ليس مجرد ورقة لإغلاق ملف المخالفة، وإنما يترتب على صدوره، وفقًا لنص القانون، مركز قانوني جديد، باعتبار قرار التصالح وتقنين الأوضاع بمثابة ترخيص منتج لآثاره.
ومن ثم، فإن الحاصل على نموذج «8» يجب ألا يُحرم تلقائيًا من حقه في التقدم بطلبات التعلية أو الاستكمال لمجرد أن العقار يقع خارج الحيز العمراني، وإنما يجب فحص طلبه في ضوء أثر قرار التصالح، وباقي الاشتراطات القانونية والهندسية والتخطيطية.
والقاعدة الأهم هنا أن التصالح لا يمنح حقًا مطلقًا في البناء، لكنه في الوقت ذاته لا يجوز أن يتحول إلى إجراء بلا أثر قانوني.
ويبقى الفيصل في كل حالة هو نص القانون، وقرار التصالح الصادر بشأن العقار، والاشتراطات الفنية والتخطيطية الواجبة التطبيق، ومدى مشروعية السبب الذي تستند إليه الجهة الإدارية عند رفض الترخيص.

⇧