الجمعة 2 أكتوبر 2026 05:13 مـ 19 ربيع آخر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

تقارير وقضايا

«السبكي» بين ثورة «الـ 5 ملايين ملف رقمي» ونزيف الكوادر الطبية.. كشف حساب لولاية تنتهي واستحقاق يهدد المنظومة بالحرج


ساعة الحسم التشريعي: «صمت القانون» يمنح رئيس الوزراء صلاحية التجديد المطلقة لـ «السبكي».. ومراقبون يؤكدون: "المنيا والإسكندرية حجر الزاوية وليس ما فات".

.

أرقام وإنجازات شكلية أم كفاءة ميدانية؟ نقل أصول 6 محافظات واعتماد 150 منشأة لن يشفعا للقيادة ما لم تُحل أزمات تسوية أجور التمريض والإداريين المنقولين.

«بين إنجاز الرقمي وتحديات الميدان المليوني الشائكة.. هل يجدد رئيس الوزراء الثقة في د. أحمد السبكي لولاية جديدة أم حان وقت تغيير الفلسفة الإدارية للهيئة؟»

اقرأ أيضاً

تترقب الأوساط الطبية والبرلمانية والتنفيذية ببالغ الاهتمام القرار الحكومي المرتقب بشأن حسم ملف قيادة الهيئة العامة للرعاية الصحية، بالتزامن مع الاقتراب الفعلي من انتهاء المدة القانونية الرسمية لمجلس الإدارة الحالي، المعين بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 4131 لسنة 2022. ووضع الشارع الصحي المنظومة بأكملها تحت مجهر التقييم الشامل للوقوف على أبعاد التجربة واستشراف متطلبات العبور إلى المرحلة المقبلة.

ويرتكز السجال الإداري والتنفيذي المحتدم حول خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما التجديد للدكتور أحمد السبكي، رئيس مجلس إدارة الهيئة، لاستكمال واستدامة البناء المؤسسي، وثانيهما ضخ دماء جديدة وتبني رؤى مغايرة تتواكب مع متطلبات التوسع المليوني المستحدث، خاصة وأن المنظومة تقف اليوم على أعتاب نقطة التحول الكبرى التي ستجعل من المرحلة الثانية الاختيار الميداني والشفاف الحقيقي لكفاءة المنظومة وقدرتها على البقاء، وليس ما فات من محطات تأسيسية تجريبية ناعمة في المرحلة الأولى.

ساعة الحسم في «الرعاية الصحية».. «الميدان » تستعرض الأسانيد القانونية ومؤشرات الأداء ورؤى الميدان مع قرب انتهاء الولاية الرسمية لمجلس إدارة الهيئة

تفتح الميدان كواليس الملف لتضع أمام صانع القرار والرأي العام قراءة استقصائية وافية تجمع بين تفكيك الأسانيد التشريعية، واستعراض مؤشرات الكفاءة المؤسسية، والرصد المباشر للتناقضات والفجوات الميدانية الشائكة.

وفي التشريح القانوني للمنظومة، كشفت المراجعة المتخصصة التي أجرتها " الميدان " لنصوص التشريع الحاكم عن عدم صحة الشائعات التي تداولتها بعض الصالونات الطبية بشأن وجود حظر قانوني يمنع التجديد لرئيس الهيئة لأكثر من دورتين متتاليتين. إذ حددت المادة 18 من قانون نظام التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018 مدة مجلس الإدارة بأربع سنوات رسمية، دون أن تتضمن المادة أو لائحتها التنفيذية أي سقف زمني لعدد مرات التجديد.

الولايات التأسيسية تنتهي والسبكي في مواجهة الاختبار الأكبر.. هل يصمد نموذج «الرعاية الصحية» أمام طوفان «الـ 18 مليون مواطن» والمحافظات المليونية؟

وجاء النص التشريعي صريحاً ومطلقاً بعبارة "ويُعين رئيس مجلس الإدارة وأعضاؤه بقرار من رئيس مجلس الوزراء لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد"، مما منح القيادة السياسية والتنفيذية مرونة كاملة لتقرير ما تراه صالحاً لاستدامة المشروعات القومية. كما أن قرار التحديث أو التجديد يظل سلطة أصيلة ومطلقة لرئيس مجلس الوزراء، يصدر بناءً على ترشيح وزير الصحة والسكان وبناء على تقارير تقييم الأداء الصادرة عن الحوكمه.

وترتبط الهيئة بوزارة الصحة والسكان بعلاقة إشرافية مباشرة وفقاً للمادة 15 من القانون لضمان الاتساق مع رؤية مصر 2030، مع احتفاظ الهيئة بشخصيتها الاعتبارية المستقلة وموازنتها الاقتصادية الذاتية. وتفسر القراءة الإدارية رئيس الهيئة والتنسيق مع وزارة الصحه كآلية لتسهيل نقل الأصول والمنشآت من المديريات إلى الهيئة وتجاوز العقبات البيروقراطية.

بعد هدوء المرحلة الأولى ببورسعيد.. «اختبار المنيا المليوني» وطرح «الإسكندرية» يضعان مستقبَل السبكي ومجلسه على المحك

وقد مر المسار العقدي لرئاسة الهيئة بمحطتين رئيسيتين؛ تمثلت الأولى في قرار رئيس الوزراء رقم 445 لسنة 2020 بتكليف الدكتور أحمد السبكي لاستكمال المدة المتبقية للمجلس التأسيسي الأول المعين عام 2018، في حين تجسدت المحطة الثانية في القرار رقم 4131 لسنة 2022 بإعادة تشكيل المجلس بالكامل لمدة أربع سنوات سارية من الرابع من أكتوبر 2022، وهو ما يعني قانوناً اكتمال هذه الولاية بنهاية عام 2026.

وعلى صعيد تقييم الأداء، يرتكز التيار المدافع عن تجديد الثقة على طفرة من الأرقام القياسية التي غيرت وجه الخدمات الصحية الحكومية بمحافظات المرحلة الأولى السبع، حيث نجحت الهيئة في نقل وتطوير الأصول العلاجية ببورسعيد والأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس وأسوان، وحصلت أكثر من 150 منشأة طبية تابعة لها على الاعتماد والتسجيل القومي من هيئة الاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR) المعتمدة دولياً من لجنة (ISQua).

بين إنجاز الاعتماد الدولي ومرارة الميدان.. هل يطوي رئيس الوزراء صفحة السبكي لضخ دماء جديدة في شرايين التأمين الشامل؟

.

كما شملت الإنجازات إنشاء أكثر من 5 ملايين ملف صحي إلكتروني موحد، وتفعيل منظومة طبيب الأسرة، وإقرار لوائح جديدة لتحسين حوافز الأطباء ورفع أجر الساعات الإضافية بالتنسيق مع وزارة المالية.

واقترن ذلك بحضور دولي لرئيس الهيئة بعضويته في مجلس إدارة الاتحاد الدولي للمستشفيات ورئاسته لجنة خبراء منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، إلى جانب إطلاق مبادرة "نرعاك في مصر" للسياحة العلاجية وميكنة سلاسل الإمداد الطبي لتقليل الهدر المالي.

وفي المقابل، تبرز على السطح التناقضات الفجة والفجوات التنفيذية التي تدفع معارضي التجديد للمطالبة بضخ دماء جديدة؛ إذ يعاني قطاع واسع من الإداريين والفنيين وهيئات التمريض المنقولين من مديريات الصحة من تخبط إداري حاد في ملف تسوية درجاتهم الوظيفية، إلى جانب التفاوت المالي والرواتب المتباينة بين الكوادر الميدانية القديمة والعمالة الجديدة المتعاقدة.

قانون صامت و«115 مليار جنيه» تحت المجهر.. كواليس تجديد الثقة للسبكي وأزمة تسويات الموظفين تشتعل في الميدان

.

ويتجلى التناقض الميداني أيضاً في وجود بنية تحتية ومستشفيات متطورة شكلياً، في مقابل تعقيدات إدارية تواجه المواطنين في نظام الإحالة الإجباري عبر وحدات طب الأسرة قبل الوصول للمستشفيات، فضلاً عن النقص المتكرر في التخصصات الطبية الحارجة بالمحافظات النائية كجنوب سيناء وأسوان والاعتماد على الاستشاريين الزائرين بجدول غير منتظم، واستمرار تسرب الكوادر الطبية نحو القطاع الخاص أو السفر للخارج جراء الضغوط التضخمية.

الاختبار المليوني الحقيقي: 12 إلى 18 مليون مستفيد مرتقب في المرحلة الثانية يضعون استراتيجية «السبكي» أمام التحدي الأكثر تعقيداً في تاريخ الصحة بمصر.

.

وأكدت قراءة " الميدان " الميدانية أن المرحلة الأولى بأكملها بكل أرقامها لا تعدو كونها مجرد "فترة تجريبية ناعمة" أُجريت في أقاليم ذات كثافات سكانية محدودة للغاية مثل بورسعيد وجنوب سيناء؛ بينما تمثل المرحلة الثانية المليونية الاختبار الحقيقي والفعلي لأجهزة الهيئة وقيادتها.

فالمنظومة تقف اليوم أمام امتحان استثنائي يتطلب التعامل مع أرقام ديموغرافية ضخمة تتجاوز 12 إلى 18 مليون مواطن دفعة واحدة عبر مئات المنشآت الصحية بتكلفة استثمارية تتجاوز 115 مليار جنيه.

وتتسع خريطة التوسع المليوني الحاكمة لتشمل محافظات المرحلة الثانية الرسمية؛ وفي مقدمتها محافظة المنيا بديموغرافيتها الكثيفة التي تتجاوز 6.4 مليون نسمة عبر 316 منشأة، تليها محافظة كفر الشيخ بنحو 3.74 مليون نسمة و225 منشأة صحية، ثم محافظة دمياط بواقع 1.63 مليون نسمة و93 منشأة، ومحافظة مطروح باكتظاظها الجغرافي واستيعابها 565 ألف نسمة عبر 58 منشأة، إلى جانب محافظة شمال سيناء بـ 450 ألف نسمة و52 منشأة صحية.

معادلة السبكي الصعبة.. كيف تدير الهيئة «744 منشأة صحية» جديدة في ظل اختناقات الإحالة وغضب القيادات المنقولة؟

.

وتتزايد القراءة التنفيذية عمقاً مع طرح العاصمة الثانية محافظة الإسكندرية ضمن الحسابات والدراسات الاستراتيجية الحالية كمقترح محوري لربط التوسع الميداني بها؛ نظراً لما تمثله الإسكندرية من ثقل سكاني مليوني يتجاوز 5.5 مليون نسمة وطبيعة حضرية شائكة بين مستشفيات جامعية وأخرى تابعة لأمانة المراكز المتخصصة، وهو ما يرفع من حدة التحديات التنفيذية ويضع الإدارة أمام معادلة دقيقة تتجاوز قدرات التجارب الهادئة للمرحلة الأولى.

عروس الصعيد والعاصمة الثانية تحت المجهر: 316 منشأة بالمنيا وحدها و5.5 مليون نسمة بالإسكندرية يكشفان فجوة التخصصات واعتماد المنظومة الإجباري على الاستشاري الزائر.

.

وتتحول محافظة المنيا—عروس الصعيد وبوابة الجنوب—إلى الاستحقاق الأكبر ورأس السهم في هذا الاختبار الحقيقي؛ حيث تغطي وحدها أكثر من نصف مستفيدي المرحلة الثانية باستثمارات ضخمة تتجاوز 48 مليار جنيه.

ووفقاً لقرار رئيس الوزراء رقم 1449 لسنة 2026، تم تخصيص 316 منشأة صحية بالمحافظة لترسيخ المنظومة، إلى جانب تجهيز 114 مركزاً ووحدة طب أسرة كمرحلة أولى للتشغيل المباشر وفتح الملفات العائلية.

وتخوض الهيئة حالياً مرحلة التشغيل التجريبي الحرج بالمنيا من خلال 10 مستشفيات محورية تقدم خدمات الرعاية الثانوية والثالثية والجراحات الدقيقة، وتشمل مستشفيات ملوي التخصصي، وسملوط التخصصي، وديرمواس التخصصي، وحميات ديرمواس، والعدوة المركزي الجديدة، والصحة الإنجابية، وجراحات اليوم الواحد بسمالوط، وأورام سمالوط، وأورام المنيا، ومستشفى التأمين الصحي بالمنيا.

وتخلص القراءة التحليلية لـ " الميدان " إلى أن دخول المنظومة إلى بيئة ديموغرافية معقدة وشديدة الكثافة كالمحافظات المليونية بالصعيد، إلى جانب الطرح المرتقب لمحافظات بحجم الإسكندرية، يضع صانع القرار أمام مفترق طرق استراتيجي بين اتجاهين؛ أولهما يرى حتمية التجديد للقيادة الحالية للاستفادة من الخبرة التراكمية في فك التشابكات الإدارية لنقل الأصول وتدريب الكوادر دون ارتباك خدمي، بينما يرى الاتجاه الثاني أن العبور المليوني الحقيقي يفرض تبني فلسفة إدارة جديدة قادرة على امتصاص الغضب الفئوي وتفكيك أزمات الأجور والتسويات وضبط اختناقات آليات الإحالة.

ويبقى القرار النهائي حقاً أصيلاً لرئيس مجلس الوزراء وقبله وزارة الصحه والسكان بالتنسيق مع مجلس ادارة الهيئة بناءً على تقارير التقييم المؤسسي والرقابي، لاختيار القيادة القادرة على إحداث التوازن الدقيق بين استدامة المشروعات القومية وتلبية تطلعات المواطن والطبيب على حد سواء في قلب الميدان.

السبكى هيئة الصحه صحه محافظه المنيا وزارة الغفار الميدان الميدان ⇧