مؤتمر بالقاهرة يبحث دور الذكاء الاصطناعي في تحديث دول الجنوب العالمي
في وقت يتحول فيه الذكاء الاصطناعي من تقنية ناشئة إلى قوة مؤثرة في الاقتصاد والصناعة والتعليم والإدارة والخدمات، تتجه أنظار دول الجنوب العالمي إلى كيفية الاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية في تسريع التنمية، وبناء اقتصادات أكثر اعتمادًا على المعرفة والابتكار، وتقليص الفجوة الرقمية مع الدول الأكثر تقدمًا.
ومن القاهرة، جاء النقاش أكثر وضوحًا خلال مؤتمر "الذكاء الاصطناعي.. الفرص والتحديات التي تواجه تحديث دول الجنوب العالمي"، الذي عُقد اليوم الأربعاء بمشاركة مؤسسات صينية ومصرية أكاديمية وبحثية وإعلامية، لبحث مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في دعم مسارات التحديث والتنمية.
ونظمت المؤتمر لجنة تنظيم منتدى تحديث دول الجنوب العالمي 2026، ومكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني، ومدرسة الحزب التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، والأكاديمية الوطنية للحوكمة، والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وجامعة بكين، وجامعة رنمين الصينية، وجامعة القاهرة.
التكنولوجيا تدخل قلب معادلة التحديث
ناقش المؤتمر مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بدور الذكاء الاصطناعي في تمكين القطاعات المختلفة، وكيفية تحقيق أقصى استفادة من تطبيقاته في الاقتصاد والمجتمع.
كما تناول المشاركون إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز التبادلات والتعلم المتبادل بين الحضارات، ودعم أسس الأمن، وسد الفجوة الرقمية، إلى جانب معالجة التفاوت في القدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه المناقشات في مرحلة يشهد فيها العالم توسعًا متسارعًا في استخدام التكنولوجيا الذكية، الأمر الذي يجعل امتلاك القدرة على استيعاب هذه التحولات وتوطينها جزءًا متزايد الأهمية من خطط التنمية الوطنية.
هونغ دايونغ: موجة الذكاء الاصطناعي تعيد صياغة فرص التنمية
وقال هونغ دايونغ، نائب رئيس دائرة الإعلام باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، إن موجة الذكاء الاصطناعي التي تجتاح العالم تفرض على دول الجنوب العالمي التعامل مع فرصها وتحدياتها في الوقت نفسه.
وأشار إلى أنه من خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر، تم الاتفاق على تعزيز التعاون بين البلدين، والتركيز على التعلم المتبادل في مجال الحوكمة، مع إبراز مجالات جديدة للتعاون، وفي مقدمتها الاقتصاد الرقمي.
وأوضح أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفرض تعزيز الحوار وتبادل الخبرات، خصوصًا بين الدول التي تواجه تحديات تنموية متقاربة وتسعى إلى إيجاد محركات جديدة للنمو.
من الابتكار إلى الإنتاج.. الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الكفاءة
وأكد هونغ أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق اختراقات في مجال الابتكار، باعتباره تكنولوجيا متعددة الأغراض تمتلك قابلية واسعة للتطبيق.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تقليل الوقت والجهد اللازمين للبحث، ورفع الإنتاجية، ودعم الابتكار، فضلًا عن تحوله إلى شريك في العمليات الإنتاجية.
ويمتد تأثير ذلك إلى التحديث الصناعي وتحسين سبل المعيشة ودعم النمو الاقتصادي، بما يجعل الذكاء الاصطناعي عنصرًا متداخلًا مع قطاعات متعددة، وليس مجرد قطاع تكنولوجي مستقل.
ففي الاقتصاد الحديث، أصبحت القدرة على تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات وتحسين العمليات واتخاذ القرارات المدعومة بالتكنولوجيا من الأدوات التي يمكن أن تغير طريقة عمل المؤسسات والأسواق.
الجنوب العالمي أمام اختبار التكنولوجيا
وقال هونغ إن الذكاء الاصطناعي يمثل ثروة مشتركة للبشرية، مشيرًا إلى أن دول الجنوب تسعى إلى معالجة معوقات التنمية وتحويل محركات التنمية.
وأوضح أن دول الجنوب العالمي تضم أكثر من 70% من سكان العالم، وهو ما يجعل مستقبلها التنموي عنصرًا أساسيًا في مستقبل الاقتصاد العالمي.
وتفرض هذه الحقيقة تحديًا مزدوجًا؛ فمن ناحية، توجد فرصة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تسريع التنمية، ومن ناحية أخرى، هناك ضرورة لتجنب اتساع الفجوة بين الدول التي تمتلك التكنولوجيا والمهارات والدول التي ما زالت تعمل على بناء بنيتها الرقمية.
بناء القدرات.. البداية الحقيقية للتحول
وشدد هونغ على ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي في دول الجنوب العالمي بما يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، وبناء قدرات مستقلة وقابلة للتطور.
وأكد أهمية تعزيز البنية التحتية الرقمية ودمج الذكاء الاصطناعي في هياكل الصناعة الوطنية، بالتوازي مع الاستثمار في المواهب والتدريب المهني.
وتبرز هنا أهمية العنصر البشري، إذ إن التحول إلى اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على شراء التكنولوجيا، وإنما يحتاج إلى خبرات محلية تستطيع تطوير الحلول وتكييفها مع احتياجات كل مجتمع.
كما دعا إلى تعزيز التعاون بين الصناعة والمؤسسات البحثية، بما يسمح بتحويل المعرفة الأكاديمية إلى تطبيقات اقتصادية وإنتاجية.
حوكمة الذكاء الاصطناعي.. ضرورة لا يمكن تأجيلها
وفي مقابل الفرص الاقتصادية والتنموية، فرضت المخاطر المحتملة نفسها بقوة على أجندة المؤتمر.
وأكد هونغ ضرورة تحسين الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، خاصة مع دخوله مجالات مرتبطة بصنع واتخاذ القرارات.
وطرح تساؤلًا أساسيًا حول كيفية ضمان الأمن عندما يشارك الذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار، في ظل التوسع في استخدام الأنظمة الذكية.
وأشار إلى تحديات من بينها التزييف العميق والاختراقات الإلكترونية وانتهاك الخصوصية الشخصية والأمن القومي، مؤكدًا أن هذه المشكلات تتجاوز حدود الدول ولا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها.
الفجوة الرقمية تتحول إلى تحدٍ تنموي
ومع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد الفجوة الرقمية تعني فقط تفاوت القدرة على الوصول إلى الإنترنت، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بامتلاك البنية التحتية والبيانات والمهارات والقدرة على تطوير واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولهذا دعا هونغ إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في الجنوب العالمي بصورة تدعم الأمن والقيم من خلال التعلم المتبادل، وتعزيز الشمولية، ودمج القدرات، وتعميق التعاون.
والهدف، وفق ما طرحه، هو ضمان أن تمتد فوائد التكنولوجيا إلى مختلف المجتمعات، وألا تصبح الثورة الرقمية سببًا جديدًا لتوسيع الفوارق الاقتصادية والتنموية.
التعاون المصري الصيني في قلب المشهد
ويأتي المؤتمر في سياق يؤكد أهمية التعاون المصري الصيني في المجالات المرتبطة بالتنمية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وتشكل المشاركة الأكاديمية والبحثية من الجانبين فرصة لتبادل الخبرات حول كيفية توظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية، وربط البحث العلمي باحتياجات الاقتصاد والمجتمع.
كما يعكس انعقاد الفعالية في القاهرة موقع مصر كمحور للحوار والتعاون بين المؤسسات العربية والأفريقية والآسيوية، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالتكنولوجيا والتنمية والتحولات الاقتصادية العالمية.
الصين ودول الجنوب.. تحديات تنموية مشتركة
وأكد هونغ أن الصين تستجيب لدول الجنوب العالمي لتعزيز الذكاء الاصطناعي وحوكمته وتعميق التبادل في هذا المجال.
وأشار إلى أن الصين تواجه مهام تنموية تتقاطع في جوانب منها مع المهام التي تواجهها دول الجنوب، مؤكدًا وجود مسؤوليات تاريخية مشتركة مرتبطة بالنهضة والتنمية.
وفي هذا الإطار، شدد على إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في ملفات ذات أبعاد اجتماعية مباشرة، مثل مكافحة الفقر ودعم التعليم عن بُعد.
وتكشف هذه التطبيقات عن جانب آخر للذكاء الاصطناعي، يتمثل في قدرته المحتملة على توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات والمعرفة، خصوصًا في المناطق التي تواجه تحديات في الموارد أو البنية التحتية.
من القاهرة.. رسالة إلى اقتصاد المستقبل
يكشف مؤتمر القاهرة أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة الحديث عن التكنولوجيا باعتبارها صناعة منفصلة، وأصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل التنمية والاقتصاد والمجتمع.
فبالنسبة لدول الجنوب العالمي، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة بناء بعض محركات النمو، لكنه في الوقت نفسه يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي والمهارات الرقمية.
كما أن نجاح هذه الدول في الاستفادة من التكنولوجيا لن يتوقف على سرعة تبني الأدوات الحديثة فقط، بل على قدرتها على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الإنسان والتكنولوجيا والبحث العلمي والصناعة والحوكمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعاون الدولي باعتباره أحد المسارات المطروحة للتعامل مع التحديات العابرة للحدود، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والخصوصية والتزييف العميق وحوكمة الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة لإعادة تعريف التنمية
وفي ختام المشهد، يبدو أن المعادلة الجديدة التي تواجه دول الجنوب العالمي لا تتعلق فقط باللحاق بالثورة التكنولوجية، وإنما بامتلاك القدرة على تحويلها إلى أداة للتنمية.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح أبوابًا جديدة أمام الابتكار والإنتاج والتعليم والخدمات، لكنه يحتاج إلى بيئة قادرة على استيعابه، وكوادر مؤهلة لتطويره، وبنية تحتية تسمح بتطبيقه، وحوكمة تضمن استخدامه بصورة آمنة ومسؤولة.
ومن القاهرة، جاء النقاش ليضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الجديد داخل أجندة التنمية العالمية: ليس مجرد تقنية للمستقبل، بل أحد الملفات التي ستؤثر في شكل الاقتصاد والمجتمع وقدرة دول الجنوب على بناء مسارات جديدة للتحديث والنمو.

