د. عاشور غرياني يكتب: من أعمدة العلم إلى عيد العلم.. مسجد آل الشيخ القاياتي شاهدًا على العصر
ليس مسجد آل الشيخ القاياتي بقرية القايات مجرد مكان أُقيمت فيه احتفالية «عيد العلم» في عامها السابع، وإنما هو جزء من تاريخ العلم والحياة العامة في هذه المنطقة.
فالمسجد يحمل ذاكرة طويلة من العلم والدين والوطنية والسياسة والأدب والعمل الاجتماعي، ولذلك كان اختيار رحابه لتكريم المتفوقين يحمل معنى خاصًا.
في هذا المسجد، كان لكل واحد من كبار المشايخ القاياتية عمود يجلس إليه، وحوله عدد من طلابه الذين يتلقون العلم منه. وكان المسجد في ذلك الوقت مدرسة حقيقية، يتعلم فيها الطلاب علوم الدين واللغة، ويتربون على القيم والأخلاق.
ومن بين هؤلاء المشايخ شخصيات تركت أثرًا واضحًا في مجالات مختلفة.
ففي مجال الوطنية والسياسة، يبرز الشيخ مصطفى القاياتي، الذي كان من خطباء ثورة 1919، وشارك في الحركة الوطنية، وكان عضوًا في الوفد المصري وعضوًا في مجلس النواب.
وفي مجال الفقه والعلم الشرعي، يأتي الشيخ عبد العظيم القاياتي، الذي كان عضوًا في هيئة كبار العلماء.
وفي المجال الاجتماعي، برز الشيخ عبد اللطيف القاياتي، بينما كان الشيخ حسن القاياتي من أبرز أبناء المدرسة القاياتية في الأدب واللغة، وعضوًا بمجمع اللغة العربية وعضوًا في مجلس النواب.
وهكذا لم يكن أثر أبناء القايات محصورًا في مجال واحد، فقد امتد إلى الدين والفقه، والأدب واللغة، والوطنية والسياسة، والعمل الاجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية المكان.
فعندما أقيمت المرحلة الأولى من «عيد العلم» يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026، لتكريم أوائل الابتدائية والإعدادية الأزهرية والإعدادية العامة على مستوى إدارة العدوة التعليمية، كان الطلاب يقفون في مكان سبق أن شهد حلقات العلم، وجلس فيه علماء، وتعلم حول أعمدته طلاب أصبح لبعضهم بعد ذلك شأن في الحياة العامة.
وهذا يجعل تكريم أوائل اليوم امتدادًا طبيعيًا لرسالة المكان.
فالطالب الذي تسلم شهادة التميز ودرع التفوق لم يكن يقف في مسجد تاريخي فقط، وإنما كان يقف أمام ذاكرة علمية ووطنية كبيرة.
وكأن المكان يقول له إن الذين جلسوا هنا من قبل لم يكن العلم بالنسبة إليهم مجرد دراسة أو شهادة، وإنما كان طريقًا لخدمة الناس والوطن.
وهذه هي الرسالة التي يواصل «عيد العلم» تقديمها اليوم.
فالاحتفالية التي تنظمها مجموعة التكافل الاجتماعي بالقايات، بالتعاون مع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف ومؤسسة قدرات مصر للشباب والتنمية، لا تكتفي بتكريم الطلاب المتفوقين، وإنما تربط التفوق بقيمة أكبر، هي قيمة العلم وأثره في المجتمع.
كما أن استمرار «عيد العلم» للعام السابع يؤكد أن تكريم المتفوقين لم يعد مناسبة عابرة، وإنما أصبح تقليدًا مجتمعيًا ينتظره أبناء مركز العدوة عامًا بعد عام.
وفي المرحلة الأولى، ظهر هذا المعنى بوضوح مع حضور ممثلين عن التربية والتعليم، والأزهر الشريف، والتضامن الاجتماعي، والتنمية المحلية، والإعلام، والآثار، ومجمع البحوث الإسلامية، إلى جانب الجهات المنظمة والشخصيات العامة المشاركة في الاحتفالية.
فاجتمع الجميع في مكان واحد حول فكرة واحدة: تقدير العلم وأبنائه وتشجيع الأجيال الجديدة على النجاح.
وربما تكون أجمل صورة يمكن أن نخرج بها من هذا المشهد هي أن أعمدة المسجد التي شهدت حلقات العلم بالأمس، شهدت اليوم تكريم أوائل الطلاب.
الأمس كان فيه شيخ يجلس إلى عموده وحوله طلابه.
واليوم يقف طالب متفوق ليتسلم تكريمه.
وبين المشهدين سنوات طويلة، لكن الرسالة واحدة:
العلم يصنع الإنسان، والإنسان بالعلم يصنع أثرًا في مجتمعه.
ولهذا فإن مسجد آل الشيخ القاياتي لم يكن مجرد خلفية لاحتفالية «عيد العلم»، بل كان جزءًا أساسيًا من معناها.
فمن هذا المكان خرجت أجيال من العلماء والأدباء ورجال الوطنية والعمل العام، وفي المكان نفسه يقف اليوم جيل جديد من المتفوقين.
وهكذا يلتقي الماضي بالحاضر، وتنتقل رسالة العلم من جيل إلى جيل.
من أعمدة العلم إلى عيد العلم.. يظل مسجد آل الشيخ القاياتي شاهدًا على عصرٍ كان فيه العلم أساسًا لصناعة الإنسان، وعلى حاضرٍ يواصل فيه أبناء المنطقة كتابة صفحات جديدة من مسيرة العلم والتفوق.











