د محسن عثمان يكتب: القاهرة وبغداد.. عمار الحكيم يعيد رسم الحضور العربي للعراق في زمن التحولات
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الأمنية والجيوسياسية، وتتقاطع فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية، تأتي زيارة السيد عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، إلى القاهرة ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي باعتبارها محطة سياسية تتجاوز في دلالاتها حدود اللقاءات التقليدية بين شخصية سياسية عراقية ورئيس دولة عربية.
فاللقاء الذي جرى اليوم في القاهرة، بحضور الوزير حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة المصرية، ومن الجانب العراقي نائب رئيس تيار الحكمة الوطني محسن الحكيم، ومستشار رئيس التيار أحمد الحكيم، والدكتور محمد تركي أبوكلل، مسؤول الملف العربي وممثل رئيس تيار الحكمة الوطني في مصر، إلى جانب السفير العراقي لدى القاهرة السيد قحطان طه جنابي، يعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، ويؤكد أن العلاقات المصرية العراقية ما زالت تمتلك من العمق السياسي والاستراتيجي ما يجعلها قادرة على إنتاج مساحات جديدة للحوار والتنسيق.
عمار الحكيم.. حضور عراقي يتجاوز حدود الجغرافيا
يمتلك عمار الحكيم تجربة سياسية جعلته حاضرًا في مساحة واسعة من المشهد العراقي والعربي، ويتميز بخطاب يركز على الحوار والتفاهم وخفض التصعيد، وعلى ضرورة أن يحتفظ العراق بمساحته الوطنية في ظل صراعات إقليمية ودولية متشابكة.
ومن هنا تأتي أهمية تحركه نحو القاهرة.
فالحكيم لا يتعامل مع العراق باعتباره دولة محكومة بتوازنات محيطها فقط، وإنما يطرح العراق باعتباره دولة عربية محورية قادرة على استعادة موقعها الطبيعي والمساهمة في صناعة الاستقرار الإقليمي.
وهذا المعنى ظهر بوضوح في حديثه عقب اللقاء، حين أكد أهمية الدور الذي تقوم به مصر تحت قيادة الرئيس السيسي في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وفي دعم العراق ومساعيه لاستعادة مكانته الطبيعية على المستويين العربي والإقليمي.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات زيارة الحكيم للقاهرة.
فالعراق، بما يمتلكه من موقع جغرافي وثقل تاريخي وسياسي واقتصادي، لا يمكن أن يكون بعيدًا عن معادلات الأمن الإقليمي، كما أن المنطقة العربية تحتاج إلى عراق مستقر وقادر على أداء دوره، لا إلى عراق يتحول إلى ساحة لتصفية الصراعات بين الآخرين.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تحرك عمار الحكيم باعتباره تأكيدًا على الحضور العربي للعراق، وعلى ضرورة أن يمتلك العراق شبكة علاقات متوازنة وواسعة، دون أن يعني ذلك الدخول في مواجهة مع أي طرف إقليمي.
السيسي.. مصر التي تتحدث بلغة الدولة
في المقابل، جاء موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اللقاء واضحًا في تحديد طبيعة الرؤية المصرية للعراق.
فالرئيس أكد حرص مصر على التواصل مع مؤسسات الدولة العراقية وكافة القوى السياسية والوطنية، وجدد دعم مصر لأمن العراق واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، كما أكد أهمية الدور العراقي في تعزيز الأمن الجماعي للدول العربية.
وهنا تظهر قيمة الموقف المصري.
فالقاهرة لا تتعامل مع العراق باعتباره ورقة في صراع إقليمي، ولا باعتباره امتدادًا لمحور في مواجهة محور آخر، وإنما تنظر إليه باعتباره دولة عربية ذات سيادة ومكانة تاريخية ودور إقليمي أصيل.
وهذه الرؤية تمنح العلاقة المصرية العراقية بعدًا يتجاوز المصالح الثنائية التقليدية.
إنها رؤية تقوم على أن استقرار العراق جزء من استقرار المنطقة، وأن قوة الدولة العراقية وقدرتها على حماية قرارها الوطني تمثل مصلحة عربية عامة.
لماذا القاهرة الآن؟
السؤال الأهم ليس فقط: لماذا التقى السيسي بالحكيم؟
بل:
لماذا تأتي هذه الزيارة في هذا التوقيت تحديدًا؟
الإجابة يمكن أن نجد جزءًا منها في الموضوعات التي أعلن الطرفان بحثها.
فالحكيم أكد حرصه على التشاور مع الرئيس السيسي بشأن التطورات الإقليمية، والاستماع إلى رؤيته حول سبل خفض التصعيد والتوترات الجيوسياسية الراهنة، والعمل على النأي بالعراق عن تداعياتها السلبية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالقاهرة بالنسبة إلى الحكيم ليست مجرد عاصمة عربية تربطها بالعراق علاقات تاريخية؛ وإنما هي مركز سياسي ودبلوماسي يمتلك القدرة على التواصل مع أطراف إقليمية ودولية متعددة، ويمتلك في الوقت ذاته رؤية واضحة تجاه ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية.
وبالتالي فإن التشاور مع القاهرة في هذه اللحظة يعكس إدراكًا لأهمية الدور المصري في إدارة التوازنات الإقليمية، بعيدًا عن منطق الاصطفاف الحاد.
العراق.. من ساحة للتأثير إلى طرف في صناعة الاستقرار
العراق اليوم موجود في قلب مجموعة من الملفات الإقليمية شديدة الحساسية.
وهنا تبرز الحاجة إلى أن يكون العراق فاعلًا في محيطه، لا مجرد متلقٍ لتداعيات أزمات الآخرين.
وفي هذا السياق، فإن رؤية عمار الحكيم تبدو قائمة على أهمية إعادة العراق إلى موقعه الطبيعي عربيًا وإقليميًا، وعلى توسيع دوائر التواصل والحوار بما يحفظ المصالح العراقية ويجنب العراق الانجرار إلى صراعات لا تخدم شعبه ولا أمنه.
ومن اللافت أن الرئيس السيسي أكد خلال اللقاء أهمية استمرار قيام العراق بدور بنّاء في تعزيز الأمن الجماعي للدول العربية وصون مقدرات شعوب المنطقة.
وهذه ليست عبارة عابرة.
إنها تعكس رؤية مصرية ترى في العراق عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن العربي.
السيسي والحكيم.. تقاطع في الرؤية حول الاستقرار
من أكثر العبارات دلالة في البيان الرئاسي المصري أن الرئيس السيسي ثمّن الدور البنّاء الذي يقوم به عمار الحكيم لتعزيز الاستقرار وتقليل التباينات وإعلاء المصلحة الوطنية العراقية.
وهذه الإشارة تعكس تقديرًا مصريًا للدور الذي يمكن أن يؤديه الحكيم في دعم خطاب الحوار والاستقرار.
وفي المقابل، عبّر الحكيم عن تقديره للدور المصري بقيادة الرئيس السيسي في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، مؤكدًا أهمية مصر في دعم العراق واستعادة مكانته العربية والإقليمية.
وبين الموقفين تظهر مساحة مشتركة واضحة:
العراق يحتاج إلى محيط عربي قوي ومستقر، والمنطقة العربية تحتاج إلى عراق مستقر وفاعل وقادر على أداء دوره.
وهذه المعادلة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي العربي.
السفير العراقي في القاهرة.. دبلوماسية تبني الجسور
ولا يمكن أن يكتمل الحديث عن هذا اللقاء دون التوقف عند الحضور الدبلوماسي العراقي ممثلًا في سفير جمهورية العراق لدى القاهرة، السيد قحطان طه جنابي، الذي حضر اللقاء إلى جانب السيد عمار الحكيم، في مشهد يعكس تكامل الحضور السياسي والدبلوماسي العراقي في العاصمة المصرية.
والحقيقة أن حضور السفير العراقي في مثل هذه اللقاءات رفيعة المستوى يحمل قيمة تتجاوز الجانب البروتوكولي؛ فالسفير هو أحد أهم جسور التواصل بين بغداد والقاهرة، والدبلوماسية العراقية في مصر تضطلع بدور مهم في الحفاظ على زخم العلاقات بين البلدين، وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق في مختلف المجالات.
ومن هنا فإن وجود السفير قحطان طه جنابي في هذا اللقاء يضيف إلى المشهد بعدًا مؤسسيًا مهمًا؛ فالعلاقة العراقية المصرية لا تقوم على التواصل بين الشخصيات السياسية فقط، وإنما تستند إلى علاقات راسخة بين دولتين وشعبين، وإلى عمل دبلوماسي متواصل يسعى إلى ترجمة هذا العمق التاريخي إلى تعاون وتنسيق أكثر اتساعًا.
إن القاهرة وبغداد تحتاجان دائمًا إلى دبلوماسية تعرف قيمة التاريخ، وتفهم طبيعة اللحظة، وتدرك أن بناء الجسور بين الدول لا يقل أهمية عن إدارة الملفات السياسية نفسها.
عمار الحكيم.. مساحة للحوار العربي
أهمية عمار الحكيم في هذا المشهد لا ترتبط فقط بموقعه السياسي داخل العراق، وإنما كذلك بقدرته على التحرك في مساحة عربية وإقليمية واسعة، والتواصل مع عواصم مختلفة، وطرح رؤية تؤكد أن العراق قادر على أن يكون جزءًا من الحلول الإقليمية، وليس مجرد متأثر بتداعياتها.
وهنا تبرز قيمة الدبلوماسية السياسية عندما تتحرك إلى جانب الدبلوماسية الرسمية، من أجل فتح مساحات أوسع للحوار والتشاور.
والأهم أن هذا التحرك لا يعني أن شخصية سياسية تحل محل مؤسسات الدولة، وإنما يعني أن تعدد قنوات التواصل يمكن أن يخدم المصالح الوطنية عندما يتحرك في إطار احترام الدولة وسيادتها ومؤسساتها.
مصر والعراق.. علاقة أكبر من اللحظة
العلاقة بين مصر والعراق أقدم وأعمق من أي ظرف سياسي عابر.
هي علاقة تجمع التاريخ والحضارة والثقافة والمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتستند إلى مكانة البلدين في النظام العربي.
لكن المرحلة الراهنة تمنح هذه العلاقة أهمية إضافية.
فالمنطقة تحتاج إلى عواصم قادرة على الحوار، وإلى دول تمتلك من الثقل السياسي ما يسمح لها بالمساهمة في تهدئة الأزمات بدلًا من توسيعها.
وهنا تبرز القاهرة وبغداد معًا.
مصر بثقلها العربي والدبلوماسي، والعراق بثقله التاريخي والجغرافي والاستراتيجي.
ومن الطبيعي أن يكون بينهما تنسيق متزايد كلما ازدادت تعقيدات المشهد الإقليمي.
الرسالة الأهم من لقاء القاهرة
ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من اللقاء هي أن العراق يريد أن يستعيد مساحته العربية والإقليمية، ومصر مستعدة للتعامل مع هذا التوجه من موقع الدولة الشقيقة التي تحترم سيادة العراق ومكانته.
ولا يعني ذلك اصطفافًا ضد طرف، ولا يعني تشكيل محور جديد.
بل يعني شيئًا أكثر أهمية:
أن يمتلك العراق مساحة حركة أوسع.
مساحة تسمح له بالحوار مع الجميع، والحفاظ على مصالحه، والنأي بنفسه عن تداعيات الصراعات الإقليمية، واستعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي.
وفي المقابل، فإن مصر حين تؤكد دعمها لأمن العراق وسيادته ووحدة أراضيه ودوره العربي، فإنها تؤكد أن استقرار المشرق العربي لا يمكن أن يكتمل من دون عراق قوي ومستقر وقادر على القيام بدوره.
في النهاية
زيارة السيد عمار الحكيم إلى القاهرة ليست مجرد لقاء بين شخصية عراقية بارزة والرئيس المصري.
إنها مشهد سياسي يعكس حاجة المنطقة إلى جسور للحوار في وقت تتزايد فيه التوترات.
وإذا كان العراق يسعى إلى استعادة موقعه الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي، فإن القاهرة تظل واحدة من أهم العواصم التي يستطيع العراق أن يتحرك من خلالها نحو هذا الهدف.
وفي المقابل، فإن مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تؤكد من خلال مواقفها أن العراق ليس دولة هامشية في الحسابات العربية، وإنما دولة محورية، وأن أمنه واستقراره وسيادته جزء من الأمن القومي العربي.
أما عمار الحكيم، فإن حضوره في هذا المشهد يعكس قدرة سياسية على فتح نوافذ الحوار، ومد جسور التواصل، والتأكيد على أن العراق يستطيع أن يكون صاحب دور وصاحب قرار وصاحب مساحة في صناعة مستقبل المنطقة.
ويبقى حضور السفير العراقي في القاهرة، السيد قحطان طه جنابي، في هذا اللقاء، صورة مكملة لهذا المشهد؛ صورة لدبلوماسية عراقية تعمل على ترسيخ جسور الأخوة والتواصل بين بغداد والقاهرة، وتؤكد أن العلاقات بين البلدين أكبر من الأشخاص والظروف، وأنها تقوم على تاريخ عميق ومصالح مشتركة ومستقبل يستحق أن يُبنى بعناية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن لقاء القاهرة أن بغداد لا تبحث عن صراع جديد، والقاهرة لا تبحث عن محور جديد؛ وإنما يلتقي الطرفان عند مساحة أكثر أهمية: عراق قوي، ومصر فاعلة، ومنطقة عربية أكثر استقرارًا، وصوت عربي قادر على التعامل مع التحولات الإقليمية بعقل الدولة لا بمنطق الصراع.


