محمد إسماعيل يكتب: العقار المصري.. لا تحاربوا قاطرة التنمية
أصبح من الملاحظ خلال الفترة الأخيرة أن هناك حالة من الهجوم المتكرر على القطاع العقاري المصري، وكأن ارتفاع الأسعار في حد ذاته دليل على وجود فقاعة، وكأن بعض حالات التعثر تعني أن السوق بأكمله يعيش أزمة.
وأعتقد أن أخطر ما في هذا الطرح ليس الاختلاف معه، وإنما أنه يكشف في بعض الأحيان عن عدم فهم لطبيعة السوق العقاري المصري وتكلفة إنتاج العقار.
فلنضع الأمور في نصابها.
لا توجد فقاعة عقارية لمجرد أن الأسعار ارتفعت.
العقار له تكلفة حقيقية تبدأ من الأرض، وتمر بمواد البناء والطاقة والنقل والعمالة والتشطيبات والتمويل، وجزء كبير من هذه التكلفة تأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بسعر الدولار.
فإذا أردنا انخفاضًا حقيقيًا في أسعار العقارات، فعلينا أن نسأل أولًا:
هل انخفضت تكلفة الأرض؟
هل انخفضت تكلفة البناء؟
هل انخفضت أسعار مدخلات الإنتاج؟
هل انخفض الدولار إلى مستويات تقلل تكلفة هذه المدخلات؟
إذا كانت الإجابة لا، فمن غير المنطقي اقتصاديًا أن نتوقع انهيار أسعار العقارات لمجرد أن البعض يتمنى ذلك أو يكرر الحديث عنه.
المتعثرون قضية.. وليسوا السوق كله
نعم، هناك متعثرون.
ونعم، هناك عملاء يحتاجون إلى حلول عادلة تحفظ حقوقهم.
لكن لا يجوز أن تتحول حالات التعثر إلى شهادة وفاة لقطاع كامل.
بل إن ما ظهر من خلال منصات المتعثرين يمكن أن نقرأه بصورة مختلفة؛ فإذا كانت هناك وحدات معروضة للتخارج، وفي المقابل توجد قوة شراء تبحث عنها وتستوعب المعروض مرات ومرات، فهذا يعني أن الطلب موجود، والقوة الشرائية موجودة، ولكن السوق يحتاج إلى آليات أكثر مرونة لتنظيم عملية التخارج وإعادة البيع.
وهنا يجب أن يكون دور الدولة واضحًا:
تنظيم السوق، حماية العميل، الحفاظ على المطور الجاد، ووضع آليات عادلة للتعامل مع التعثر.
لا أن نترك مساحة للتضخيم الإعلامي أو التشخيص العشوائي.
هل مصر تعاني من فائض عقاري؟
أنا أختلف مع هذا الطرح.
مصر ما زالت لديها احتياجات ضخمة في الإسكان، ولكن الاحتياج لا يتوقف عند الشقة السكنية.
لدينا احتياج إلى وحدات الإيجار، والغرف الفندقية، والوحدات التجارية والإدارية والطبية، والمدارس، والمنشآت الخدمية.
ولذلك فإن القضية الحقيقية ليست فقط كم وحدة لدينا؟
وإنما:
كم وحدة منها تعمل وتنتج وتدر دخلًا؟
لدينا ثروة عقارية ضخمة يمكن تحويل جزء كبير منها من وحدات مغلقة إلى أصول اقتصادية منتجة.
تشطيب وتأجير.
تحويل وحدات إلى نشاط فندقي.
توسيع الاستثمار التجاري والإداري والطبي.
إنشاء وتشغيل المدارس والخدمات.
كل ذلك يعني أننا لا نحتاج إلى النظر للعقار باعتباره مجرد سلعة للبيع والشراء، وإنما باعتباره أصلًا اقتصاديًا يمكن أن يولد دخلًا ويخلق فرص عمل ويحرك قطاعات أخرى.
العقار ليس طوبًا وأسمنتًا
وهذه نقطة يجب ألا يغفل عنها أحد.
العقار يرتبط بسلسلة هائلة من الصناعات والحرف والعمالة.
عندما يتحرك البناء، تتحرك معه صناعات الحديد والأسمنت والسيراميك والألومنيوم والأخشاب والكهرباء والأدوات الصحية، ثم التشطيبات والأثاث والأجهزة والنقل والصيانة وغيرها.
أي أن العقار لا يخدم المطور فقط.
العقار يشغل اقتصادًا كاملًا خلفه.
ولهذا فإن ضرب الثقة في القطاع العقاري دون دراسة دقيقة لا يضر المستثمر فقط، وإنما يمكن أن ينعكس على مئات الأنشطة والحرف وآلاف فرص العمل.
المطلوب من الدولة: إدارة الأزمة لا صناعة أزمة
نحن لا نريد دفاعًا أعمى عن القطاع.
نريد إصلاحًا حقيقيًا.
نريد بيانات دقيقة عن حجم المعروض وحجم الطلب وحالات التعثر.
نريد تنظيمًا أفضل للبيع وإعادة البيع والتنازل.
نريد حماية حقيقية للعميل.
نريد مواجهة المطور غير الجاد.
وفي الوقت نفسه نريد حماية المطور الملتزم حتى يستطيع الاستمرار وتسليم مشروعاته.
والأهم من ذلك كله، نريد أن تنتقل الدولة من مجرد متابعة السوق إلى وضع رؤية متكاملة لتعظيم العائد من الثروة العقارية المصرية.
لأن العقار يمكن أن يكون سكنًا، ويمكن أن يكون إيجارًا، ويمكن أن يكون فندقًا، أو مدرسة، أو مستشفى، أو عيادة، أو مكتبًا، أو متجرًا.
وهنا تكمن الفرصة.
لا تجعلوا القلة تقود القطيع
ما يحدث أحيانًا هو أن مشكلة محدودة تبدأ، ثم تتبعها موجة من التناول الإعلامي، ثم يتحول الحديث عن حالات معينة إلى حكم على قطاع كامل.
وهذا خطر.
فالاقتصاد لا يُدار بالانطباعات، ولا بالشائعات، ولا بتكرار المعلومة حتى تصبح في نظر البعض حقيقة.
الاقتصاد يُدار بالأرقام، والتشخيص، والرؤية.
ومن هنا أقول:
لا أحد يطلب أن نصمت عن مشكلات العقار.
بل على العكس، تحدثوا عنها بكل وضوح، وابحثوا عن حلولها، واحموا المواطن.
لكن في الوقت نفسه:
رفقًا بالعقار المصري.
فهو ليس مجرد مبانٍ وأراضٍ.
إنه مخزن للقيمة، وقاطرة للتنمية، ومحرك للتشغيل، وقطاع ترتبط به مئات الأنشطة والحرف والصناعات.
والحفاظ على قوة هذا القطاع لا يعني حماية أحد من الخطأ، وإنما يعني حماية الاقتصاد المصري من سوء التشخيص.
نحن لا نحتاج إلى تخويف الناس من العقار..
نحن نحتاج إلى أن نجعل العقار أكثر إنتاجًا، وأكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على خدمة الاقتصاد والمواطن.


