الدكتورة فاتن فتحي تكتب: ترتيب أولوياتتنا الوطنية.. شهادة نمنحها أم إنسان مؤهل للتنافسية العالمية؟
في عالم يتغير فيه سوق العمل بوتيرة أسرع من قدرة كثير من المؤسسات التعليمية والتدريبية في دول العالم على مواكبته، لم تعد قيمة التدريب تُقاس بعدد الساعات التي قضاها المتدرب داخل قاعة المحاضرات، ولا بعدد الشهادات التي أضيفت إلى ملفه المهني، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: ماذا أصبح هذا الإنسان قادرًا على أن يفعل بعد انتهاء التدريب؟ فالشهادة قد تثبت أن شخصًا حضر برنامجًا أو اجتاز اختبارًا، لكنها لا تضمن بالضرورة أنه قادر على اتخاذ قرار صحيح، أو التعامل مع أزمة، أو قيادة فريق، أو رعاية مريض، أو إدارة موقف إنساني معقد، أو تحمل مسؤولية حقيقية عندما تكون الأخطاء مكلفة.
هذه الفجوة بين «الحصول على الشهادة» و«امتلاك الكفاءة» أصبحت واحدة من أهم تحديات التعليم والتدريب في عالم العمل. وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن 13% من قوة العمل الشابة عالميًا كانت عاطلة في عام 2023، بينما كان واحد من كل خمسة شباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب. والأكثر دلالة أن نحو ثلثي العاملين الشباب في الاقتصادات النامية يحملون مؤهلات لا تتطابق بصورة جيدة مع وظائفهم. وهنا تظهر المشكلة بوضوح: العالم لا يعاني فقط من نقص في التعليم، وإنما يعاني أيضًا من عدم التوافق بين ما يتعلمه الإنسان وما يحتاجه الواقع.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي أمام مؤسسات التعليم والتدريب لم يعد: «كم شخصًا تخرج لدينا؟»، وإنما: «كم شخصًا أصبح قادرًا على أداء عمله بكفاءة واستقلالية ومسؤولية؟». فالهدف النهائي لأي منظومة تدريبية جادة يجب أن يكون صناعة القدرة، لا صناعة الورق؛ وبناء الشخصية المهنية، لا مجرد استكمال السجل الوظيفي بشهادة جديدة.
وتزداد أهمية هذه القضية عندما ننتقل إلى القطاعات التي ترتبط حياة الناس وسلامتهم بها مباشرة، وفي مقدمتها الصحة والتمريض والعمل الإنساني. فوفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، يتجاوز عدد العاملين الصحيين في العالم 70 مليون شخص، ومع ذلك تتوقع المنظمة نقصًا عالميًا يتجاوز 11 مليون عامل صحي بحلول عام 2030، مع تركّز الجزء الأكبر من العجز في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. كما تؤكد المنظمة أن المشكلة لا ترتبط بعدد العاملين فقط، بل تشمل التعليم والتدريب والتوزيع والاحتفاظ بالعاملين ومستوى الأداء وملاءمة المهارات لاحتياجات النظم الصحية.
وهذا الرقم يكشف مفارقة شديدة الأهمية: يمكن أن نزيد أعداد خريجي المؤسسات التعليمية، وفي الوقت نفسه نستمر في مواجهة نقص حقيقي في الكوادر. فالعدد وحده لا يصنع قوة عاملة مؤهلة. قد يكون لدينا آلاف الخريجين، لكن المؤسسات الصحية تحتاج أشخاصًا قادرين على التعامل مع المريض، وتطبيق إجراءات السلامة، والعمل تحت الضغط، والتواصل مع الأسرة، والاستجابة للطوارئ، واستخدام التكنولوجيا، واتخاذ القرارات المهنية والأخلاقية في الوقت المناسب.
ولهذا تتجه الممارسات الحديثة في التعليم الصحي والتدريب المهني إلى مفهوم «التعليم القائم على الكفاءة»، أي أن معيار النجاح ليس مقدار المعلومات التي حفظها المتدرب، وإنما قدرته على توظيف المعرفة والمهارة والسلوك المهني في موقف حقيقي. ومنظمة الصحة العالمية نفسها تدعم التوسع في التعليم والتدريب القائم على الكفاءة وتصميم المناهج وفق المخرجات المطلوبة من المهنة، لأن امتلاك المعرفة دون القدرة على تطبيقها لا يكفي لصناعة عامل صحي قادر على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
والتمريض يقدم مثالًا صارخًا على ذلك. فالممرض أو الممرضة لا يعملان داخل كتاب أو اختبار، وإنما داخل بيئة تتطلب الملاحظة الدقيقة، وسرعة الاستجابة، والتواصل، والعمل الجماعي، والالتزام بمكافحة العدوى، وإدارة الوقت، والتعامل مع الألم والخوف، والقدرة على التصرف في اللحظات الحرجة. لذلك فإن تخريج ممرض يحمل شهادة دون أن يمتلك الكفاءة العملية يشبه منح رخصة قيادة لشخص حفظ قوانين المرور لكنه لم يتعلم القيادة الفعلية.
والأمر نفسه ينطبق على العاملين في المجال الإنساني. ففي الكوارث والأوبئة والنزاعات وحالات النزوح، لا تكفي المعرفة النظرية وحدها. العامل الإنساني يحتاج إلى القدرة على العمل في ظروف غير مستقرة، وتقييم الاحتياجات بسرعة، وإدارة الموارد المحدودة، والتواصل مع المجتمعات، وفهم السياق الثقافي، والعمل ضمن فريق متعدد التخصصات، واتخاذ قرارات مسؤولة في ظل نقص المعلومات. وفي مثل هذه البيئات تصبح الكفاءة مسألة تتجاوز جودة الأداء إلى حماية الأرواح والموارد والكرامة الإنسانية.
أما الإدارة، فهي المجال الذي يكشف بوضوح الفرق بين «الشهادة» و«القدرة». فليس كل من درس الإدارة قادرًا على إدارة فريق، وليس كل من حصل على دورة في القيادة يستطيع قيادة مؤسسة، وليس كل من تعلم التخطيط قادرًا على تحويل الخطة إلى نتائج. الإدارة الحقيقية تظهر عندما تتعارض الأولويات، وتتقلص الموارد، وتزداد الضغوط، وتحدث الأخطاء، ويصبح على المسؤول أن يختار بين بدائل متعددة ويتحمل نتيجة قراره.
ومن هنا يجب إعادة تعريف التدريب باعتباره عملية انتقال من «المعرفة» إلى «الممارسة»، ومن «الممارسة» إلى «الكفاءة»، ومن الكفاءة إلى «المسؤولية». فالمتدرب لا ينبغي أن يخرج وهو يعرف الإجابة فقط، بل وهو يعرف كيف يستخدمها ومتى يستخدمها ولماذا يستخدمها، ومتى يجب عليه أن يطلب المساعدة، وكيف يتعامل مع الخطأ، وكيف يتصرف عندما لا يكون الموقف مطابقًا لما تعلمه في القاعة.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أن مهارات القابلية للتوظيف لا تتكون كلها داخل التعليم الرسمي، بل إن جزءًا مهمًا منها يتطور من خلال التدريب أثناء العمل والخبرة العملية. كما تشير إلى أن البرامج التي تجمع بين التدريب والمهارات الشخصية ومكونات متعددة للتأهيل ترتبط بنتائج أفضل في سوق العمل، خصوصًا لدى الشباب في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
وهذا يقودنا إلى ضرورة تغيير فلسفة تصميم البرامج التدريبية نفسها. فالبرنامج الجيد لا يبدأ بالسؤال: «ما المحاضرات التي سنقدمها؟»، وإنما يبدأ بالسؤال: «ما الذي نريد من المتدرب أن يكون قادرًا على فعله في نهاية البرنامج؟». وبعد تحديد هذه القدرات، تُبنى المحتويات والتدريبات والمحاكاة والتقييمات حولها.
إذا كان الهدف تخريج ممرض قادر على الاستجابة للطوارئ، فيجب أن يخضع المتدرب لمواقف تحاكي الطوارئ الحقيقية. وإذا كان الهدف إعداد مدير قادر على قيادة فريق، فيجب أن يمر بمواقف لاتخاذ القرار وحل النزاعات وتوزيع الموارد. وإذا كان الهدف إعداد عامل إنساني، فيجب أن يتدرب على سيناريوهات واقعية تتضمن نقص المعلومات وضغط الوقت وتعارض الاحتياجات. وإذا كان الهدف إعداد موظف لسوق العمل، فيجب أن يُقاس أداؤه بما يستطيع إنجازه، لا بعدد الصفحات التي يستطيع تذكرها.
المشكلة إذن ليست في الشهادة نفسها؛ فالشهادات مهمة باعتبارها وسيلة للاعتراف بالتعلم والكفاءة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهادة من «دليل على القدرة» إلى «بديل عن القدرة». عندها يصبح التدريب صناعة أوراق، ويصبح النجاح هو الوصول إلى نهاية البرنامج بدلًا من الوصول إلى مستوى محدد من الكفاءة.
والأخطر أن هذه الثقافة قد تمنح المؤسسات شعورًا زائفًا بالإنجاز. فقد تعلن مؤسسة تدريبية أنها دربت خمسة آلاف شخص خلال عام، وهو رقم يبدو كبيرًا في التقارير السنوية، لكنه لا يخبرنا كم واحدًا منهم أصبح قادرًا بالفعل على أداء المهمة المطلوبة. كم منهم اجتاز تقييمًا عمليًا؟ كم منهم حصل على وظيفة؟ كم منهم احتفظ بالمهارة بعد ستة أشهر؟ كم منهم استطاع استخدامها في بيئة العمل؟ وكم من هؤلاء أصبح قادرًا على تدريب غيره وصناعة أثر يتجاوز شخصه؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تنتقل إلى قلب منظومة قياس جودة التدريب. فمؤشرات النجاح يجب أن تشمل نسبة إتقان المهارات، والقدرة على التطبيق، ونتائج التقييم العملي، والانتقال إلى سوق العمل، واستمرارية الأداء، ورضا جهات التوظيف، والأهم: الأثر الذي أحدثه المتدرب بعد عودته إلى بيئة العمل.
ولعل أخطر ما تكشفه أرقام سوق العمل أن زيادة فرص التعليم لا تعني تلقائيًا زيادة فرص العمل الجيد. فقد ارتفعت نسبة الشباب عالميًا المشاركين في التعليم أو التدريب من 38% عام 2000 إلى 48% عام 2023، ومع ذلك ارتفعت مشكلة عدم التطابق التعليمي في عدد من الاقتصادات، وهو ما يعني أن توسيع الوصول إلى التعليم يجب أن يصاحبه تحسين في صلته بالاقتصاد واحتياجات سوق العمل.
وبالتالي فإن المعركة المقبلة ليست معركة «من يملك شهادات أكثر»، وإنما معركة «من يملك قدرات أكثر قابلية للتطبيق». فالمؤسسة التي تبحث عن موظف اليوم لا تحتاج فقط إلى شخص يحمل مؤهلًا أكاديميًا، بل إلى شخص يستطيع التعلم المستمر، والتكيف مع التغيير، والعمل ضمن فريق، والتواصل بوضوح، وحل المشكلات، واستخدام التكنولوجيا، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وهنا يصبح التدريب استثمارًا في الإنسان وليس نشاطًا إداريًا لإغلاق خطة سنوية. وكل دولار يُنفق على تدريب لا يغير قدرة الإنسان على الأداء يحتاج إلى إعادة نظر، بينما كل برنامج يجعل المتدرب أكثر استقلالًا وكفاءة وقدرة على حل المشكلات يمثل استثمارًا حقيقيًا في المؤسسة والمجتمع.
إن صناعة الكوادر تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان ليس وعاءً نملؤه بالمعلومات، وإنما قدرة نعمل على بنائها. ولذلك يجب أن ننتقل من ثقافة «ماذا درس؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل؟»، ومن «هل حصل على الشهادة؟» إلى «هل يستطيع تحمل المسؤولية؟»، ومن «كم شخصًا دربنا؟» إلى «كم شخصًا أصبح قادرًا على صناعة فرق حقيقي؟».
في الصحة، قد يعني ذلك مريضًا تلقى رعاية أفضل. وفي التمريض، قد يعني قرارًا صحيحًا في لحظة حرجة. وفي العمل الإنساني، قد يعني وصول المساعدة إلى من يحتاجها في الوقت المناسب. وفي الإدارة، قد يعني مؤسسة استطاعت تجاوز أزمة بدلًا من الانهيار أمامها. وفي سوق العمل، قد يعني موظفًا لم ينتظر التعليمات في كل خطوة، بل أصبح قادرًا على التفكير والمبادرة والتعلم وحل المشكلة.
لهذا فإن الشهادة يجب أن تكون بداية الثقة، لا نهاية التعلم؛ وأن تكون دليلًا على الكفاءة، لا غطاءً على غيابها. والمؤسسة التعليمية أو التدريبية التي تقيس نجاحها بعدد الشهادات التي وزعتها قد تنجح في إنتاج حملة شهادات، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج كوادر. أما المؤسسة التي تقيس نجاحها بقدرة خريجيها على العمل والتفكير والقيادة وتحمل المسؤولية وصناعة الأثر، فهي التي تساهم فعليًا في بناء رأس المال البشري.
وفي النهاية، قد ننسى اسم الدورة، وقد تتغير الأدوات والتقنيات والمناهج، وقد تصبح بعض المهارات التي نتعلمها اليوم قديمة بعد سنوات قليلة، لكن الإنسان الذي تعلم كيف يتعلم، وكيف يفكر، وكيف يتصرف بمسؤولية، وكيف يحل المشكلات، وكيف يعمل مع الآخرين، سيظل قادرًا على التطور.
ولهذا يجب أن يكون السؤال الذي يسبق كل برنامج تدريبي: أي إنسان نريد أن نُخرج؟ وليس فقط: أي شهادة نريد أن نمنح؟ لأن مستقبل المؤسسات والمجتمعات لن تصنعه الشهادات المعلقة على الجدران، وإنما الأشخاص القادرون على تحويل ما تعلموه إلى أداء، وما اكتسبوه من مهارات إلى نتائج، وما لديهم من معرفة إلى أثر حقيقي في حياة الآخرين.


