الأربعاء 9 سبتمبر 2026 05:49 مـ 26 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

اقتصاد

إسلام التمساح: الذهب يتحول من ملاذ آمن إلى أداة لتعزيز صلابة الاحتياطي المصري

إسلام التمساح، المحلل الاقتصادي والدولي
إسلام التمساح، المحلل الاقتصادي والدولي

قال إسلام التمساح، المحلل الاقتصادي والدولي، إن الارتفاعات القياسية التي شهدتها أسعار الذهب عالميًا ومحليًا خلال الفترة الأخيرة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها حركة سعرية مرتبطة بالمضاربات أو التوترات الجيوسياسية، وإنما تعكس تحولًا أعمق في نظرة البنوك المركزية إلى المعدن النفيس باعتباره أحد الأصول الاستراتيجية داخل منظومة الاحتياطيات الدولية.

وأضاف التمساح أن مصر تتحرك في هذا الاتجاه من خلال زيادة حيازتها من الذهب، بالتزامن مع الاستفادة من الإنتاج المحلي للمناجم، وهو ما يمنح السياسة الاحتياطية المصرية ميزة إضافية تتمثل في تحويل جزء من الثروة التعدينية الموجودة داخل البلاد إلى أصل سيادي يدعم الاحتياطي، دون الاعتماد الكامل على شراء الذهب من الأسواق الخارجية بالعملة الأجنبية.
19.058 مليار دولار قيمة الذهب في الاحتياطي المصري

وأوضح أن بيانات البنك المركزي المصري تكشف ارتفاع قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطي النقدي إلى نحو 19.058 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقابل 17.139 مليار دولار في يوليو، بزيادة قدرها نحو 1.919 مليار دولار خلال شهر واحد.

وأشار إلى أن هذه الزيادة لا تعني بالكامل شراء كميات جديدة من الذهب، إذ إن نحو 35 مليون دولار منها جاءت نتيجة زيادة كمية الذهب، بينما بلغت الزيادة الناتجة عن إعادة التقييم السعري نحو 1.884 مليار دولار، وهو ما يعكس التأثير الكبير لارتفاع السعر العالمي للمعدن النفيس على القيمة الدولارية للاحتياطي.

وأضاف أن إجمالي صافي الاحتياطيات الدولية ارتفع إلى مستوى تاريخي بلغ نحو 57.214 مليار دولار، بما يجعل الذهب مكونًا مهمًا من مكونات الاحتياطي المصري، ويؤكد أن ارتفاع أسعار المعدن عالميًا أصبح ينعكس مباشرة على قوة المركز الاحتياطي للدولة.

الذهب يقترب من 130 طنًا في حيازة البنك المركزي

وقال التمساح إن التحول الأهم لا يتمثل فقط في ارتفاع القيمة الدولارية للذهب، وإنما في زيادة الكميات الفعلية الموجودة ضمن حيازة البنك المركزي.

ووفق البيانات الواردة في التحليل، ارتفع رصيد البنك المركزي إلى نحو 4.177 مليون أوقية بنهاية أغسطس 2026، مقابل نحو 4.159 مليون أوقية بنهاية ديسمبر 2025، بزيادة قدرها نحو 17.9 ألف أوقية منذ بداية العام، من بينها نحو 7,978 أوقية خلال أغسطس وحده.

وبتحويل الكمية إلى أطنان، يقترب رصيد مصر من 130 طنًا، مقارنة بمستويات تاريخية دارت لفترة طويلة حول 75 طنًا.

وأكد التمساح أن هذه الزيادة تمثل تحولًا استراتيجيًا في إدارة الاحتياطي المصري، خصوصًا أن ارتفاع الحيازة لا يعتمد فقط على إعادة تقييم الذهب الموجود، وإنما يرتبط أيضًا بإضافة كميات جديدة.

من 75 طنًا إلى 130 طنًا.. كيف تغيرت خريطة الاحتياطي؟

وأشار المحلل الاقتصادي والدولي إلى أن مصر حافظت لسنوات طويلة على حيازة تدور حول 75.6 طنًا، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من زيادة رصيد الذهب.

وكانت نقطة التحول الأبرز في فبراير 2022، عندما اشترى البنك المركزي نحو 44 طنًا، لترتفع الحيازة إلى قرابة 125 طنًا، قبل أن تتواصل الإضافات خلال السنوات التالية.

وتشير أحدث البيانات إلى أن مجلس الذهب العالمي قدر حيازة مصر بنحو 129.67 طنًا بنهاية الربع الثاني من 2026، فيما تشير بيانات البنك المركزي في أغسطس إلى وصول الرصيد إلى نحو 129.9 طن.

ويرى التمساح أن قراءة هذه الأرقام تكشف أن مصر لا تتعامل مع الذهب باعتباره سلعة استثمارية قصيرة الأجل، وإنما باعتباره أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل داخل محفظة الاحتياطي.

السكري وشلاتين.. الذهب المحلي يدخل معادلة الاحتياطي

وأوضح التمساح أن أحد أهم أوجه التطور في السياسة المصرية يتمثل في توسيع الاستفادة من الإنتاج المحلي للذهب، خاصة من خلال شركة السكري لمناجم الذهب وشركة شلاتين للثروة المعدنية.

وبحسب التحليل، يتيح الاتفاق بين البنك المركزي وشركة السكري توفير احتياجات الشركة التشغيلية بالجنيه المصري، بحد أقصى يصل إلى 130 مليون جنيه شهريًا، مقابل تسهيل شراء البنك سبائك ذهبية مكررة.

وتظهر الإفصاحات السابقة أن البنك المركزي اشترى عبر هذه الآلية نحو 17,520 أوقية خلال 2023، ثم نحو 13,438 أوقية خلال النصف الأول من 2024.

وأكد التمساح أن أهمية هذه الآلية لا تكمن فقط في شراء الذهب، وإنما في إتمام جانب من عملية تكوين الاحتياطي باستخدام الجنيه المصري مقابل إنتاج محلي، بما يقلل الحاجة إلى تدبير الدولار لشراء المعدن من الأسواق الدولية.

شلاتين ترفع توريد الذهب للبنك المركزي

وفي السياق نفسه، تمثل شركة شلاتين مسارًا آخر لتوريد الذهب المنتج محليًا إلى البنك المركزي.

وقال التمساح إن البيانات الواردة بالتحليل تشير إلى ارتفاع تسليمات الشركة من نحو 268 كيلوجرامًا في 2021 إلى 629 كيلوجرامًا في 2022 ثم 717 كيلوجرامًا في 2023.

وبلغت التسليمات نحو 945 كيلوجرامًا خلال 2025، بينما تجاوزت الكميات 630 كيلوجرامًا خلال النصف الأول من 2026، مع رفع المستهدف بنهاية العام إلى نحو 1.5 طن.

وأضاف أن نمو الإنتاج المحلي وتوسيع قاعدة الشركات العاملة في مناطق الامتياز وتنظيم التعدين الأهلي يمكن أن يجعل الذهب المحلي مصدرًا أكثر انتظامًا لدعم الاحتياطي خلال السنوات المقبلة.

ارتفاع الذهب عالميًا يضاعف قيمة الاحتياطي

وربط التمساح بين هذه السياسة وحركة أسعار الذهب العالمية، موضحًا أن المعدن النفيس يتحرك حاليًا عند مستويات مرتفعة للغاية، مدعومًا بالتوترات الجيوسياسية وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية.

وتظهر بيانات السوق في 9 سبتمبر 2026 أن الذهب العالمي يدور قرب مستويات 4,400 دولار للأوقية، وسط ترقب بيانات التضخم الأمريكية وتأثيرها على قرارات الاحتياطي الفيدرالي.

وفي السوق المصرية، تحرك سعر جرام الذهب عيار 21 في نطاق يتجاوز 6 آلاف جنيه، مع اختلاف الأسعار وفق توقيت التعامل والمصنعية والتاجر. وتظهر بيانات السوق في 9 سبتمبر سعرًا يدور حول 6,280–6,300 جنيه للجرام لعيار 21.

وأكد التمساح أن ارتفاع السعر العالمي للذهب يرفع القيمة الدولارية للذهب الموجود بالفعل في الاحتياطي، وهو ما يفسر الفارق الكبير بين الزيادة الكمية المحدودة نسبيًا والارتفاع الأكبر في القيمة المسجلة بالدولار.

الذهب لا يحمي الجنيه مباشرة.. لكنه يقوي الاحتياطي

وشدد التمساح على ضرورة الفصل بين دور الذهب في دعم الاحتياطي وبين فكرة استخدام الذهب كأداة مباشرة للدفاع عن سعر الجنيه.

وقال إن زيادة الذهب لا تعني تلقائيًا ارتفاع سعر العملة المحلية، كما أن الذهب لا يمثل بديلًا كاملًا عن الاحتياطيات السائلة من العملات الأجنبية، لكنه يضيف إلى قدرة الدولة على تنويع أصولها ومواجهة الصدمات المالية والاقتصادية.

وأوضح أن الذهب يتميز بكونه أصلًا لا يرتبط بالتزام على دولة أخرى، ويمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تنويع المخاطر، خصوصًا في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق العملات وأدوات الدين العالمية.

العالم كله يتحرك نحو الذهب

وأكد التمساح أن الاتجاه المصري يأتي متسقًا مع تحول عالمي واضح في سياسات البنوك المركزية.

فوفق أحدث مسح لمجلس الذهب العالمي لعام 2026، يرى 89% من مسؤولي إدارة الاحتياطيات أن حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب سترتفع خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما يتوقع 45% زيادة حيازات مؤسساتهم نفسها، وهي نسبة قياسية في نتائج المسح.

كما يرى 74% من المشاركين أن حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية ستتراجع بدرجة متوسطة أو كبيرة خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين يتجه الذهب إلى زيادة أهميته داخل محافظ الاحتياطي.

وأشار التمساح إلى أن نصف المشاركين في المسح أشاروا إلى إمكانية تمويل مشتريات الذهب الجديدة من خلال برامج شراء محلية بالعملة الوطنية، وهي نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للتجربة المصرية التي تستفيد من إنتاج المناجم المحلية.

إسلام التمساح: المطلوب تعظيم القيمة المضافة للذهب المصري

واختتم إسلام التمساح تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على زيادة الكميات الموردة إلى البنك المركزي، وإنما يجب أن تستهدف تعظيم القيمة المضافة لصناعة الذهب في مصر.

وأضاف أن إنشاء مصفاة مصرية معتمدة دوليًا يمكن أن يمثل خطوة مهمة في هذا المسار، من خلال تقليل الاعتماد على عمليات التكرير الخارجية، ورفع كفاءة سلسلة القيمة، وتحويل الإنتاج المحلي إلى مصدر أكثر انتظامًا للذهب المكرر القابل للإضافة إلى الاحتياطي.

وأكد أن الإفصاح الدوري عن تطور حيازة الذهب سيكون مهمًا أيضًا، بحيث يتم الفصل بوضوح بين الزيادة الناتجة عن شراء كميات جديدة وبين الزيادة الناتجة عن ارتفاع الأسعار العالمية وإعادة تقييم المخزون.

وقال التمساح إن المعادلة الجديدة للذهب المصري باتت تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: زيادة الإنتاج المحلي، وتحويل جزء من الإنتاج إلى أصل احتياطي سيادي، والاستفادة من ارتفاع قيمة الذهب عالميًا في تعزيز قوة المركز المالي للدولة، مع ضرورة استمرار تنويع الاحتياطي والحفاظ على نسبة مناسبة من الأصول السائلة القابلة للاستخدام الفوري.