الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 08:56 مـ 25 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

عرب و عالم

تقرير دولية : المدنيون ومقاتلين حزب الله منسيين

يبرز جنوب لبنان باعتباره أحد أوضح الأمثلة على الكلفة الإنسانية والعسكرية الباهظة التي تكبدها لبنان على مدى سنوات جراء استراتيجية «المقاومة» التي يتبناها حزب الله.

فعلى مدار سنوات، أكد حزب الله أن سلاحه ومقاتليه وبنيته العسكرية تمثل ضرورة للدفاع عن لبنان وحماية أراضيه. إلا أن الواقع الذي يعيشه سكان الجنوب يعكس صورة مختلفة، في ظل منازل مدمرة، ومجتمعات متضررة، وسبل عيش فقدها أصحابها، فضلًا عن استمرار نزوح أعداد كبيرة من السكان.

وبحسب تقارير إعلامية، من بينها تقرير لوكالة رويترز في سبتمبر 2026، ظل أكثر من 340 ألف شخص نازحين في جنوب لبنان، فيما استُخدمت عشرات المدارس الحكومية كمراكز إيواء.

وبالنسبة إلى آلاف العائلات اللبنانية التي عاشت سنوات من عدم الاستقرار، لا يمثل النزوح مجرد أزمة مؤقتة، بل يعني فقدان المنازل ومصادر الدخل والتعليم والحياة الاجتماعية والشعور الأساسي بالأمان الذي تحتاج إليه كل أسرة.

وفي الوقت الذي يحاول فيه المدنيون إعادة بناء حياتهم، يواصل حزب الله تقديم نفسه باعتباره المدافع عن جنوب لبنان، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول نتائج هذه الاستراتيجية على أرض الواقع: أين الحماية؟ وأين جهود إعادة الإعمار؟ وأين الدعم للعائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها؟

ولا تقتصر هذه التساؤلات على المدنيين، إذ تثير التطورات الأخيرة في منطقة علي الطاهر الاستراتيجية أسئلة أخرى بشأن الوضع الذي واجهه مقاتلو حزب الله أنفسهم خلال المعارك.

وتضم المنطقة شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض التي استخدمها حزب الله، فيما أعلنت القوات الإسرائيلية مؤخرًا أنها تمكنت من تطهير أنفاق أسفل الموقع، وقتلت عددًا من المقاتلين، بينما فر آخرون، وفق الرواية الإسرائيلية وتقارير إعلامية تناولت التطورات.

وأفادت تقارير بأن عددًا من مقاتلي حزب الله ظلوا عالقين لفترات داخل الأنفاق، في وقت تعرضت فيه طرق الإمداد والاتصال للخطر. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن محاولات لقطع الطرق التي كانت تستخدم لنقل الغذاء والمياه والذخيرة من بيروت إلى مواقع الأنفاق.

وذكرت تقارير أخرى أن بعض المقاتلين وجدوا أنفسهم في ظروف صعبة نتيجة نقص الإمدادات الأساسية، فيما واجهوا أوضاعًا متزايدة الخطورة تحت الأرض.

وتحتاج هذه الروايات إلى تحقيق مستقل للتحقق من تفاصيلها، إلا أن صحتها، إذا تأكدت، تطرح سؤالًا بالغ الأهمية حول قدرة أي تنظيم مسلح على حماية مقاتليه وتأمين احتياجاتهم الأساسية في ظروف الحرب، في الوقت الذي يقدم نفسه فيه باعتباره القوة المسؤولة عن الدفاع عن لبنان.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا عندما يتحمل الشباب اللبناني وأسرهم جانبًا كبيرًا من تبعات هذا المشروع العسكري؛ فالمقاتلون قد يُقتلون أو يُصابون أو يجدون أنفسهم محاصرين، بينما يفقد المدنيون منازلهم ومصادر رزقهم، وتفرغ مناطق بأكملها من سكانها.

وفي المقابل، يستمر الخطاب السياسي للحزب في التأكيد على «الانتصار» و«المقاومة».

وتكشف معركة علي الطاهر، بحسب مراقبين، عن جانب من التحدي الاستراتيجي الذي يواجهه حزب الله. فقد أنشأ الحزب شبكة من الأنفاق والمنشآت العسكرية والتحصينات على أساس أن الحرب تحت الأرض يمكن أن توفر له الحماية والعمق الاستراتيجي.

لكن المنطقة تحولت في نهاية المطاف إلى ساحة معركة رئيسية، فيما تقول إسرائيل إنها فرضت سيطرة عملياتية على المنطقة وتمكنت من تطهير عدد من مسارات الأنفاق الرئيسية.

وبغض النظر عن الروايات المتعارضة بشأن نتائج المعارك، فإن التطورات تثير تساؤلًا أوسع حول موقع لبنان نفسه في هذا الصراع: هل أصبحت الأراضي اللبنانية ساحة مواجهة لحرب تتجاوز حدود البلاد ومصالح سكانها المباشرة؟

وتحت قيادة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، يواجه الحزب مسؤولية سياسية وعسكرية متزايدة أمام اللبنانيين، تتمثل في تفسير أسباب استمرار استراتيجية عسكرية يقول منتقدوها إن نتائجها شملت الدمار والنزوح وخسارة السيطرة على مواقع استراتيجية.

وتتجاوز القضية حزب الله وحده، لتصل إلى سؤال جوهري يتعلق بسيادة الدولة اللبنانية وحقها الحصري في اتخاذ قرارات الحرب والسلم.

فلبنان، وفق هذا الطرح، لن يكون قادرًا على إعادة بناء ما دمرته الحروب بصورة مستدامة، في ظل استمرار وجود قوة مسلحة خارج الإطار الكامل لسلطة الدولة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلام.

جنوب لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات حول «المقاومة» بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء المنازل، وإعادة فتح المدارس، واستعادة الأنشطة الاقتصادية، وتمكين المزارعين من العودة إلى أراضيهم، وضمان عودة النازحين إلى مجتمعاتهم بأمان.

وفي نهاية المطاف، يبقى سكان جنوب لبنان أصحاب الحق الأول في السيادة والكرامة والأمن.فقد وعدهم حزب الله بالدفاع عنهم، لكن أعدادًا كبيرة منهم وجدت نفسها تدفع ثمن الحروب المتعاقبة وفقا لما ذكره تنقرير رويترز.

ولذلك، فإن السؤال الأكثر إيلامًا بالنسبة إلى لبنان لا يتعلق فقط بقدرة حزب الله على إعلان انتصار جديد في أي معركة، وإنما بما إذا كان اللبنانيون سيتمكنون في نهاية المطاف من استعادة القرار الوطني لبلادهم وإنهاء استراتيجية عسكرية يقول منتقدوها إنها جلبت للبلاد قدرًا كبيرًا من الدمار وعدم الاستقرار.

جزب الله لبنان جنوب لينان