الإثنين 7 سبتمبر 2026 12:25 مـ 24 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

سياحة وطيران

من مواقع التصوير إلى الوجهات السياحية..كيف تصنع الدراما التركية خريطة جديدة للسياحة؟

حي بلاط التاريخي في إسطنبول
حي بلاط التاريخي في إسطنبول

لم تعد المسلسلات التركية مجرد أعمال درامية تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة حول العالم، بل تحولت تدريجياً إلى قوة ناعمة تتجاوز الشاشة، لتؤثر في صورة تركيا وثقافتها وحتى في خريطة الوجهات السياحية التي يقصدها الزوار.

وفي هذا السياق، نظمت إدارة الاتصالات برئاسة الجمهورية التركية برنامجاً خاصاً لزيارات وفد من الصحافة الدولية، ضمن فعاليات برنامج «الرواية العالمية للعلامة التجارية التركية: المسلسلات التلفزيونية التركية»، بهدف التعرف عن قرب إلى صناعة الدراما التركية ومواقع التصوير والاستديوهات التي أسهمت في تقديم صورة مختلفة عن المدن التركية للجمهور العالمي.

وخلال الجولة، انتقل الوفد بين عدد من المواقع التاريخية والطبيعية والاستديوهات التي أصبحت مرتبطة في ذاكرة المشاهدين بأشهر المسلسلات التركية، ليكتشف كيف تحولت أماكن التصوير من مواقع إنتاج إلى عناصر فاعلة في الترويج السياحي والثقافي لتركيا.

الدراما تتحول إلى تجربة سياحية

أفرز الانتشار العالمي للدراما التركية ظاهرة سياحية جديدة، إذ أصبح المشاهد الذي تابع مدينة أو قصراً أو حياً شعبياً في أحد المسلسلات يرغب في زيارة المكان الحقيقي والتقاط الصور فيه، والتعرف إلى البيئة التي ظهرت أمامه على الشاشة.

ومع اتساع هذه الظاهرة، لم تعد مواقع التصوير مجرد أماكن مغلقة أمام الجمهور، بل ظهرت حولها مطاعم ومقاهٍ ومتاجر للهدايا والحرف اليدوية، إلى جانب عروض فنية وأنشطة ترفيهية وفعاليات تتيح للزائر الاقتراب من الأجواء التي شاهدها في الأعمال الدرامية.

وتأخذ التجربة شكلاً أكثر وضوحاً في مواقع تصوير المسلسلات التاريخية، حيث يمكن للزائر ارتداء الأزياء التقليدية، وركوب الخيل، ومشاهدة العروض المستوحاة من الفترات التاريخية، في تجربة تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة.

«بيكوز كوندورا».. مصنع عثماني يتحول إلى مساحة للدراما والفنون

من أبرز المحطات التي شملتها الجولة Beykoz Kundura، أحد المواقع التي تحمل تاريخاً صناعياً مهماً في إسطنبول.

فالمكان الذي ارتبط في بداياته بصناعة الجلود والأحذية لتلبية احتياجات الجيش العثماني، تحول مع مرور الوقت إلى موقع استثنائي للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، مستفيداً من مبانيه التاريخية ومساحاته الواسعة وإطلالته على البوسفور.

وتمنح طبيعة الموقع وأبنيته القديمة صناع الدراما خلفيات واقعية يصعب توفيرها في الاستديوهات التقليدية، وهو ما جعله موقعاً لتصوير عدد من الأعمال التركية المعروفة.

ومن بين المسلسلات التي ارتبطت بالمكان أعمال مثل Hatırla Sevgili وÖyle Bir Geçer Zaman وVatanım Sensin وİstanbullu Gelin وArka Sokaklar.

ولا تقتصر أهمية بيكوز كوندورا اليوم على التصوير، إذ يضم المكان مساحات للفعاليات السينمائية والفنية، من بينها Kundura Cinema وKundura Stage، ليجمع بين التراث الصناعي والفنون المعاصرة.

بوزداغ فيلم.. عندما يصبح موقع التصوير مدينة تاريخية مفتوحة

تقدم Bozdağ Film Plateau نموذجاً أكثر وضوحاً لفكرة تحويل صناعة الدراما إلى تجربة سياحية.

فالموقع صُمم أساساً لخدمة إنتاج المسلسلات التاريخية، لكنه أصبح في الوقت نفسه وجهة يستطيع الزائر التجول داخلها والتعرف إلى تفاصيل الحياة التي تقدمها الأعمال التاريخية التركية.

وتنتشر في المكان الأسواق التقليدية والمقاهي والمطاعم والديكورات التاريخية، إلى جانب مساحات مخصصة للأنشطة الترفيهية، مثل ركوب الخيل والرماية وصناعة الزجاج وارتداء الملابس التاريخية.

كما تقدم عروض فنية تعتمد على الخيل والرقصات المستوحاة من الحقبة التاريخية، بما يمنح الزائر تجربة أقرب إلى الانتقال داخل عالم المسلسل نفسه.

وقد ارتبط اسم الموقع بأعمال درامية تاريخية حققت انتشاراً دولياً، من بينها Diriliş Ertuğrul وKuruluş Osman.

استديوهات TRT.. بناء التاريخ أمام الكاميرا

وشملت الجولة كذلك استديوهات التصوير التابعة لـ TRT، والتي تقدم نموذجاً آخر لطريقة بناء العوالم التاريخية داخل صناعة الدراما التركية.

وتضم الاستديوهات مجمعات واسعة تحتوي على ديكورات مستوحاة من العمارة والحياة الاجتماعية في الفترات التاريخية المختلفة، بما يشمل القلاع والقصور والأسواق والحدائق والتكايا والخيام التقليدية والأحياء السكنية.

وتكشف هذه المواقع حجم البنية الإنتاجية التي أصبحت تحتاج إليها الدراما التركية حتى تقدم أعمالاً تاريخية قادرة على المنافسة والوصول إلى جمهور دولي.

فالديكور هنا لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، وإنما يصبح جزءاً من عملية بناء الصورة الذهنية للتاريخ والثقافة التركية أمام المشاهد في مختلف أنحاء العالم.

طوبقابي.. التاريخ الحقيقي يدخل إلى عالم الدراما

ومن مواقع التصوير المصطنعة إلى التاريخ الحقيقي، جاءت زيارة قصر طوبقابي، أحد أبرز المعالم التاريخية في إسطنبول.

وعلى مدار قرون، كان القصر مركزاً للحكم والإدارة العثمانية ومقراً للسلاطين، قبل أن يتحول إلى أحد أهم المواقع السياحية والثقافية في المدينة.

وقد استفادت الدراما التركية من هذا الإرث التاريخي في تقديم أعمال تناولت الحياة داخل القصور العثمانية، وكان مسلسل Muhteşem Yüzyıl «حريم السلطان» من أبرز الأعمال التي أعادت تقديم تلك الحقبة إلى الجمهور العالمي.

وهكذا أصبح المشاهد الذي تعرف إلى القصور العثمانية من خلال الشاشة أكثر رغبة في رؤية المكان الحقيقي، وهو ما يعكس العلاقة المباشرة بين الانتشار الدرامي وزيادة الاهتمام بالوجهات الثقافية والتاريخية.

البوسفور.. صورة إسطنبول التي سافرت إلى العالم

لا يمكن الحديث عن السياحة المرتبطة بالدراما التركية من دون التوقف عند مضيق البوسفور.

فالممر المائي الذي يفصل بين آسيا وأوروبا أصبح واحداً من أكثر العناصر البصرية حضوراً في المسلسلات التركية، بما يوفره من مشاهد تجمع القصور التاريخية والمنازل الفاخرة والجسور والمياه في خلفية واحدة.

ولم يعد البوسفور مجرد معلم طبيعي؛ بل أصبح جزءاً من الصورة السينمائية لإسطنبول، وهو ما دفع كثيراً من زوار المدينة إلى البحث عن المواقع التي ظهرت في المسلسلات والتعرف إليها من خلال الرحلات البحرية والجولات السياحية.

بلاط وفينير.. الأحياء الشعبية تتحول إلى علامات درامية

وفي المقابل، لم تقتصر الدراما على القصور والمواقع الفاخرة، بل أسهمت أيضاً في تسليط الضوء على أحياء إسطنبول الشعبية.

ويأتي حيا Balat وFener في مقدمة هذه المناطق، بفضل شوارعهما الضيقة وبيوتهما الملونة وأزقتهما القديمة، وهي عناصر منحت المسلسلات التركية خلفيات طبيعية مميزة.

وارتبطت هذه المناطق بأعمال مثل Çukur وEzel وCennet Mahallesi، لتنتقل بعض شوارعها من كونها أماكن محلية إلى مواقع يبحث عنها السياح الذين يرغبون في استعادة مشاهد شاهدوها على الشاشة.

ومع تزايد الإقبال، استفادت الأنشطة التجارية المحلية من الظاهرة، عبر المقاهي والمتاجر وأماكن بيع الهدايا والمنتجات المستوحاة من الأعمال الدرامية.

من القوة الناعمة إلى اقتصاد التجربة

تكشف الجولة التي نظمتها إدارة الاتصالات برئاسة الجمهورية التركية للصحافة الدولية أن صناعة المسلسلات لم تعد منفصلة عن قطاعات الثقافة والسياحة والاقتصاد.

فالعمل الدرامي يبدأ من قصة وشخصيات وكاميرا، لكنه يستطيع بعد نجاحه أن يدفع المشاهد إلى البحث عن المدينة التي ظهرت في أحداثه، والمطعم الذي جلس فيه أبطاله، والقصر الذي شهد أحداثه، والحي الذي تحركوا بين شوارعه.

وهنا تظهر قوة الدراما باعتبارها أداة من أدوات القوة الناعمة؛ فهي لا تقدم تركيا للمشاهد من خلال خطاب مباشر، وإنما من خلال الحياة اليومية والشخصيات واللغة والموسيقى والطعام والملابس والعمارة والمناظر الطبيعية.

ومع اتساع قاعدة المشاهدة الدولية، تتحول الشاشة تدريجياً إلى نافذة سياحية، ويصبح المسلسل في بعض الحالات مقدمة لرحلة حقيقية إلى تركيا.

وبذلك لا تكتفي الدراما التركية بصناعة نجوم وشخصيات ناجحة، وإنما تساهم في صناعة وجهات سياحية جديدة، وتحويل مواقع التصوير إلى جزء من العلامة التجارية الثقافية لتركيا، في نموذج يجمع بين الإعلام والسياحة والثقافة والدبلوماسية الناعمة.