الجمعة 4 سبتمبر 2026 01:54 مـ 21 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

ثقافة

حين تجمع المعرفة بين النيل والصين... ذاكرةُ مسيرةٍ تعليمية عابرة للحضارات

بقلم - لو يينغ بوه، أستاذ بجامعة اللغات والثقافة ببكين

حين كانت مياهُ قناة السويس تنساب صافيةً هادئة، حاملةً نسائمَ البحر المتوسط وعبقَ النيل العذب، فتُداعب مدينةَ الإسماعيلية الوادعة على ضفاف القناة، كنتُ أقف غيرَ مرةٍ أمام نافذة معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس، أتأمّل وجوهَ الشباب المصريين وهم يقرؤون الصينية في رحاب الجامعة. عندها كان يغمرني شعورٌ عميق بالدفء والامتنان.


لقد تشرفتُ بالعمل مديرًا صينيًا للمعهد، وأمضيتُ هناك أكثر من عام، شهدتُ خلاله، بعيني وقلبي، تلاقيَ حضارتين عريقتين باعدت بينهما الجبال والبحار، وجمعت بينهما المعرفةُ والصداقة. ولمستُ عن قرب متانةَ الوشائج التي نسجها الشعبان على امتداد السنين، حيث غدت اللغةُ جسرًا للعبور إلى الآخر، وصار العلمُ رباطًا يقرّب المسافات ويوحّد القلوب.

وحين أُقَلِّب صفحات الذاكرة، أرى أن بذور التبادل التعليمي بين الصين ومصر قد زُرعت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين شدّ الأستاذ محمد مكين، مؤسس قسم اللغة العربية بجامعة بكين، الرحال إلى جامعة القاهرة طلبًا للعلم، ليصبح أحد أوائل رواد التواصل الإنساني بين البلدين. فقد كرّس حياته لدراسة اللغة والثقافة العربيتين، وفي الوقت نفسه عرّف الأوساط العلمية والثقافية المصرية بالحضارة الصينية، واضعًا حجر الأساس لمسيرة من التفاهم امتدت عبر الأجيال.

ثم جاءت إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر عام 1956، حين أصبحت مصر أول دولة إفريقية وأول دولة عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وتقيم معها علاقات دبلوماسية، لتفتح صفحة جديدة من التعاون الرسمي بين الحضارتين.

وفي العام نفسه، وقّع الجانبان اتفاقية التعاون الثقافي، وتوالت بعد ذلك الخطط التنفيذية، لترسي إطارًا مؤسسيًا متينًا للتبادل الأكاديمي والثقافي، وليتحول ما بدأه الرواد إلى تعاون شامل تقوده الدولتان.
وسرعان ما أثمرت هذه الشراكة عن حركة متواصلة لتبادل الطلاب والأساتذة والباحثين؛ فشدّ الطلاب الصينيون الرحال إلى جامعة القاهرة وجامعة الأزهر ينهلون من معين اللغة العربية والتاريخ والثقافة العربية والإسلامية، بينما قصد الشباب المصري الصين، لا ليتعلموا لغة جديدة فحسب، بل ليقتربوا من حضارة عريقة ويشهدوا مسيرة نهضتها. وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، لم يعد التعليم مجرد وسيلة لتبادل المعارف، بل أصبح جسرًا دائمًا يصل بين النيل والنهر الأصفر، وفضاءً يلتقي فيه القلب بالعقل، والحضارة بالحضارة. وكلما استرجعت تلك السنوات، عادت إلى ذاكرتي وجوه الزملاء والطلاب، ومشاهد العمل المشترك، وأحاديث الصداقة التي لم تكن تعرف حدودًا، فضلًا عن خصوصية المجتمع المصري وتأملاته في مسيرة التنمية.

إنها ذكريات لم تستقر في الذاكرة فحسب، بل استوطنت القلب، وستظل حاضرة مهما تعاقبت الأيام.
وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين كانت الإمكانات محدودة، لم تكن الدراسة في الخارج أمرًا يسيرًا.

فلم تكن الرحلات الجوية ميسّرة كما هي اليوم، كما ظلت وسائل الاتصال بدائية وبطيئة. ومع ذلك، حمل الطلاب شغفًا لا يخبو بالعلم، وأضحوا سفراء للتواصل الثقافي بين البلدين.

ففي قاعات الدراسة تبادلوا المعارف والخبرات، وخارجها تقاسموا العادات والتقاليد وتفاصيل الحياة اليومية، لتنمو من تلك اللقاءات البسيطة صداقات صادقة وعميقة. وفي الوقت نفسه، واصلت الجامعات الصينية، مستندةً إلى ما راكمته من خبرات أكاديمية، إعداد الكفاءات المتخصصة في شؤون التبادل مع مصر، بينما فتحت الجامعات المصرية أبوابها أمام أجيال متعاقبة من الطلاب الصينيين. وهكذا ظل نهر المعرفة يتدفق، وتوثقت عرى الصداقة بين الشعبين، لترسخ جذور التعاون التعليمي الصيني المصري رغم التحديات، وتمهد الطريق لمرحلة أكثر شمولًا وازدهارًا.

ومع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين، أخذت جسور التواصل بين البلدين تتسع عامًا بعد عام، ولم يعد التعاون التعليمي يقتصر على تبادل الطلاب، بل امتد ليشمل الشراكات الجامعية، والندوات الأكاديمية، وبرامج تبادل أعضاء هيئة التدريس، وغيرها من صور التعاون المؤسسي. وفي عام 1997، وقّع الجانبان اتفاقية الاعتراف المتبادل بالشهادات والدرجات العلمية، مما أزال كثيرًا من العقبات المؤسسية أمام الطلاب الراغبين في مواصلة دراساتهم عبر الحدود.

كما واصلت الحكومة الصينية توسيع برامج المنح الدراسية، فارتفع عدد الطلاب المصريين الدارسين في الصين من عشرات إلى مئات سنويًا، واتسعت مجالات تخصصهم لتشمل الهندسة والعلوم والطب والآثار والتجارة والزراعة وغيرها.

وبعد تخرجهم، عاد كثير منهم إلى وطنهم حاملين معهم معارف حديثة ورؤى تنموية جديدة، ليصبحوا قوة فاعلة في دعم مسيرة التنمية في مصر وتعزيز روابط الصداقة بين البلدين.


ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، ولاسيما مع التقدم المتواصل لمبادرة الحزام والطريق، شهدت الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر مزيدًا من العمق والزخم، ودخل التعاون التعليمي مرحلة جديدة اتسمت بتعدد مستوياته واتساع مجالاته.

وأسهمت معاهد كونفوشيوس وفصولها المنتشرة في مختلف أنحاء مصر في نشر اللغة الصينية والتعريف بالثقافة الصينية على ضفاف النيل. وفي عام 2008، افتُتح رسميًا معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس، مستفيدًا من الموقع الاستراتيجي الفريد للقناة بوصفها ممرًا ملاحيًا عالميًا ومركزًا مهمًا للتجارة والتبادل الاقتصادي، ليغدو منصة متقدمة للتواصل الإنساني والثقافي بين البلدين في العصر الجديد. وفي تلك المرحلة، وصلتُ إلى مدينة الإسماعيلية لتولي منصب المدير الصيني للمعهد، مواصلًا المسيرة التي بدأها من سبقوني، ومشاركًا في كتابة صفحة جديدة من قصة التبادل التعليمي على ضفاف قناة السويس.

(طاقة التدريس الصيني بمعهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس)
وعندما وطئتُ الإسماعيلية للمرة الأولى، كانت ضبابية الصباح تعانق مياه القناة في هدوء، فيما انتصبت أشجار النخيل على جانبي الطرقات، كأنها ترحب بالقادمين إليها.

ولم تكد تقع عيناي على ابتسامات أهلها الودودة حتى تبدد شعوري بالغربة منذ اللحظة الأولى. وتميزت جامعة قناة السويس بأجوائها الأكاديمية الرصينة، كما ترك الحماس الذي أبداه الطلاب والأساتذة تجاه الصين واللغة الصينية أثرًا عميقًا في نفسي.

ففي السنوات الأولى من تأسيس المعهد كان عدد الملتحقين بدورات اللغة الصينية محدودًا، غير أنه، وبعد أكثر من عقد من العمل الدؤوب، غدت اللغة الصينية واحدة من أكثر التخصصات إقبالًا في الجامعة، وظل عدد المتقدمين إلى قسم اللغة الصينية يتزايد عامًا بعد عام.

وما زلت أستحضر مشهد أول حصة دراسية؛ عشرات الشبان المصريين يجلسون في القاعة بعيون يملؤها الفضول، يرددون مع المدرس أصوات الـ«بينيين»، ويرسمون الحروف الصينية حرفًا بعد حرف.

هناك، كانت العربية بعذوبة أنغامها، والصينية بإيقاعاتها المميزة، تلتقيان في فضاء واحد، فتنبثق من تفاعلهما شرارات التلاقي الحضاري، بينما ظل الشغف بالمعرفة يفيض في أرجاء القاعة بلا انقطاع.
وكان الطالب كريم يقيم في بلدة صغيرة على ضفاف القناة، ويقطع كل يوم ساعتين ذهابًا وإيابًا ليحضر دروسه، دون أن تثنيه الأمطار أو تقلبات الطقس عن ذلك.

وكان يحدثني عن السفن الصينية التي أخذت تعبر قناة السويس بوتيرة متزايدة، وعن الشركات الصينية التي راحت توسع حضورها في المنطقة، وكان يرى أن إتقان اللغة الصينية لا يقتصر على فهم الثقافة الصينية، بل يفتح آفاقًا أرحب للعمل، ويمنح صاحبه فرصة لأن يكون جسرًا للتواصل بين البلدين. وبعد انتهاء الدروس، كان يلتف حولي كثيرًا ليسألني عن جبال الصين وأنهارها، وعن تفاصيل الحياة اليومية فيها، وكانت كلماته تكشف عن شوق صادق لاكتشاف ذلك العالم البعيد. ومن خلال معاشرتي اليومية له ولغيره من الطلاب، أدركت عن قرب ما يتحلى به الشعب المصري من طيبة وأصالة وكرم ضيافة.

ففي أروقة الجامعة، كان الطلاب يبادرون إلى إلقاء التحية حتى وإن لم تجمعنا معرفة سابقة، كما كان زملاؤنا يدعوننا بكل حفاوة إلى منازلهم في مناسبات مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، حيث يستقبلوننا بالتمر الفاخر والشاي الأحمر العطِر، ويشركوننا في أجواء الفرح والاحتفال.

وفي كل عام، ومع إطلالة عيد منتصف الخريف، وعيد قوارب التنين، ورأس السنة الصينية، كان معهد كونفوشيوس يزدان بفعاليات ثقافية نابضة بالحياة. فقد كان الأساتذة والطلاب المصريون يتعلمون إعداد الـ«تسونغتسي»، ويشاركون في مسابقات الألغاز التقليدية وصناعة الفوانيس، بينما يعتلي الطلاب والمعلمون من الجانبين خشبة المسرح ليقدموا عروضًا غنائية ورقصات فولكلورية تعكس روح الثقافتين. وكانت أناقة الثقافة الصينية العريقة تمتزج بسحر الثقافة المصرية، فتغمر الضحكات أرجاء الحرم الجامعي، ويصبح كل احتفال مناسبة جديدة لتلاقي القلوب قبل الثقافات.
وأذكر أنني في أحد أيام الشتاء أصبت بحمى شديدة بسبب عدم تأقلمي مع البيئة المحلية، وبقيت وحيدًا في شقتي.

وما إن علم بعض الطلاب بالأمر حتى سارعوا إلى زيارتي، حاملين معهم أدويةً شعبية معتادة وحساءً دافئًا من المطبخ المصري، وتناوبوا على رعايتي والاطمئنان إلى صحتي.

قد تختلف اللغات والثقافات، لكن المودة الصادقة والعناية النابعة من القلب قادرتان دائمًا على تجاوز كل الحواجز.

وفي تلك اللحظة أدركت أن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل هو أيضًا لقاء للأرواح، وحوار صامت بين القلوب.
وتتمتع مصر بإرث حضاري يمتد عبر آلاف السنين، تشهد عليه الأهرامات ومعابد الأقصر، بوصفها شواهد خالدة على حكمة الإنسان وإبداعه.

وقد ورث شبابها اليوم تلك الروح المتقدة والطموح المتطلع إلى المستقبل. وانطلاقًا من الخصائص الصناعية لمنطقة التعاون الاقتصادي والتجاري لقناة السويس، عملنا على تطوير برامج تعليمية تجمع بين تعلم اللغة الصينية واكتساب المهارات المهنية، لتربط بين المعرفة اللغوية والتأهيل العملي.

وقد أظهر الطلاب قدرة لافتة على التعلم والاستيعاب؛ فلم يكتفوا بإتقان اللغة الصينية، بل أقبلوا أيضًا على دراسة تشغيل المعدات الهندسية، وإدارة الأعمال، والخدمات السياحية، وغيرها من التخصصات التطبيقية. كما نظمنا، بالتعاون مع الشركات الصينية العاملة في مصر، معارض للتوظيف داخل الجامعة، وتمكن عدد كبير من الطلاب من الحصول على فرص عمل بفضل كفاءتهم المتكاملة.

ومع مرور السنوات، مضى خريجو المعهد في مسارات متنوعة؛ فمنهم من واصل دراسته في الصين، ومنهم من أصبح معلمًا للغة الصينية، ومنهم من انخرط في مشروعات التعاون الصيني المصري. وهكذا تحول أولئك الشباب الذين جلسوا يومًا على مقاعد الدراسة إلى سفراء حقيقيين للصداقة بين البلدين. ولعل أسمى ما يمكن أن يحققه التعليم هو أن يمكّن الإنسان بالعلم، وأن يبني بين الشعوب جسورًا من الثقة والصداقة.


وخلال تجوالي في المدن والقرى المصرية، لمستُ من جهة بساطة الحياة ورضا الناس بما قسمه الله لهم، ومن جهة أخرى وقفتُ عن قرب على التحديات الواقعية التي تواجه هذه الأرض. فمصر، بما تمتلكه من كثافة سكانية متزايدة، تعاني مدنها الكبرى من ضغوط متنامية في قطاع الإسكان، كما يواجه شبابها صعوبات متزايدة في الحصول على فرص عمل.

وفي بعض المناطق الريفية البعيدة، لا تزال البنية التحتية محدودة، بينما تتفاوت خدمات التعليم والرعاية الصحية من منطقة إلى أخرى. ويضطر كثير من أبناء الأسر محدودة الدخل إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكرًا بحثًا عن مصدر يعينهم على أعباء الحياة.

وكثيرًا ما كنت أصادف شبابًا عاطلين عن العمل ترتسم على وجوههم ملامح الحيرة، كما كنت أستمع إلى المعلمين وعامة الناس وهم يعبرون عن قلقهم إزاء المستقبل؛ فالشباب يتطلعون إلى فرص عمل مستقرة، وكل أسرة تحلم بحياة أكثر استقرارًا وكرامة، غير أن تحديات التنمية ما تزال ماثلة أمامهم.
ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر قدرة على فهم تطلعات الشعب المصري وآماله. فعلى الرغم من تلك التحديات، لم ألمس فيهم روح الاستسلام أو اليأس، بل رأيت إيمانًا راسخًا بإمكانية صناعة مستقبل أفضل. وكنت على يقين بأن معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تنمية مستدامة وشاملة. فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وإرثًا حضاريًا ضاربًا في عمق التاريخ، وشعبًا مجتهدًا ومخلصًا، وهي جميعًا مقومات راسخة للنهوض والتقدم.

وفي هذا السياق، يغدو التعاون التعليمي بين الصين ومصر، بما راكمه من إنجازات عبر عقود طويلة، قوة دافعة تسهم في دعم مسيرة التنمية المصرية والمساعدة على مواجهة التحديات القائمة.
لقد عاد كثير من الطلاب المصريين الذين تلقوا تعليمهم في الصين حاملين معهم التقنيات الحديثة، والخبرات الإدارية، ورؤى جديدة للتنمية، كما أسهم خريجو معاهد كونفوشيوس، ممن أتقنوا اللغتين الصينية والعربية، في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وتنشيط الاقتصادات المحلية.

كذلك أسهمت المبادرات المشتركة، مثل ورش لوبان، والمختبرات البحثية، والمنصات التعليمية الإلكترونية، في تطوير التعليم المهني في مصر، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب لاكتساب المهارات وتحقيق طموحاتهم. واليوم بدأت اللغة الصينية تشق طريقها تدريجيًا إلى منظومة التعليم الوطني في مصر، لتمنح أبناء المناطق البعيدة فرصة أوسع للتعرف إلى آفاق جديدة واستشراف مستقبل أكثر إشراقًا.

فالتعليم يصنع الكفاءات، والكفاءات تدفع عجلة التنمية، والتنمية بدورها تفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.
وقد أتيحت لي فرصة إجراء حوارات معمقة مع العميد المصري لمعهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس حول مستقبل مصر وآفاق التعاون بين البلدين. وكان يؤكد، مستندًا إلى خبرته الطويلة في ميدان التعليم، أن مختلف الأوساط المصرية تنظر بإعجاب إلى ما حققته الصين من إنجازات تنموية، وتتطلع إلى الاستفادة من خبراتها، وأن التبادل التعليمي يظل الجسر الأقرب لتبادل الأفكار والخبرات وتعميق التفاهم بين الشعوب.

واليوم تنتشر المصانع والمنشآت في مناطق التعاون الصناعي على ضفاف القناة، وتتحول المشروعات المشتركة إلى واقع ملموس يوفر آلاف فرص العمل. وأصبح عدد متزايد من الشباب يجدون فرصًا مهنية بفضل ما اكتسبوه من علم ومهارة، فيما غدت ملامح الثقة والأمل أكثر وضوحًا على وجوههم.

فالتغيرات الصغيرة، حين تتراكم، تصنع تحولات كبيرة، وقد لا تزول التحديات بين ليلة وضحاها، غير أن التنمية المتواصلة قادرة على تبديد القلق وتقليص الفجوات، فيما يظل التعليم النور الذي ينير الطريق إلى المستقبل.
لقد كانت سنوات عملي في جامعة قناة السويس من أثمن محطات حياتي. فقد شهدت بعيني كيف تطور التعاون التعليمي بين الصين ومصر من تواصل محدود في البدايات إلى شراكة شاملة ومتعددة الأبعاد.

ورأيت اللغة الصينية تترسخ على ضفاف النيل، كما رأيت أواصر الصداقة بين الشعبين تزداد قوةً ومتانة يومًا بعد يوم.

وعندما حان موعد مغادرتي مصر، ظل صدى أصوات الطلاب وهم يرددون دروسهم يتردد في أرجاء الحرم الجامعي، فيما واصلت مياه القناة جريانها الهادئ نحو البحر. أما الذكريات التي جمعتني بالطلاب والزملاء، وما حملته تلك السنوات من تأملات في التنمية والأمل، فقد بقيت راسخة في وجداني، لا تمحوها الأيام.
وعندما أستعرض اليوم مسيرة أكثر من سبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، يتجلى أمامي كيف واصل التعاون التعليمي الصيني المصري تطوره جيلًا بعد جيل. فقد اتسع من مجرد تبادل للطلاب إلى شبكة متكاملة تشمل تعليم اللغات، والتعاون الجامعي، والتدريب المهني، والتبادل الأكاديمي، كما ارتقى من نقل المعرفة إلى فضاء للحوار الحضاري، وتبادل الخبرات، والعمل المشترك من أجل التنمية.

وعلى امتداد هذه المسيرة، واصل أجيال من التربويين أداء رسالتهم في صمت وإخلاص، بينما حملت أجيال متعاقبة من الشباب شعلة الصداقة، فعبرت أنوار الحضارة الجبال والبحار، واستمر نهر المودة في الجريان دون انقطاع.
واليوم، تقف الصداقة الصينية المصرية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، وتنفتح أمام التبادل التعليمي آفاق أرحب من أي وقت مضى. فكما تمضي مياه القناة في رحلتها نحو البحر، تواصل الحضارتان مسيرتهما المشتركة نحو المستقبل. وأنا على يقين بأن البلدين، إذا واصلا تعميق التعاون في مجال التعليم، وترسيخ التفاهم بين الشعبين، وجعلا من المعرفة جناحًا، ومن التنمية شراعًا، فستتراجع التحديات تدريجيًا أمام قوة التقدم، وستظل الصداقة التي صاغتها العقود المتعاقبة متدفقة كجريان النيل ونهر يانغتسي، لا تعرف الانقطاع.

وسيظل صدى القراءة يتردد على ضفاف النيل، وسيزداد الطريق الذي تسير فيه الصين ومصر معًا اتساعًا ورحابة. فالمعرفة التي تراكمت، والصداقة التي نمت عبر أكثر من سبعين عامًا، ستغدو قوة دافعة لحضارتين عريقتين تمضيان جنبًا إلى جنب نحو المستقبل، لتظل زهرة الصداقة متفتحة على الدوام، وليواصل البلدان معًا صناعة غدٍ أكثر إشراقًا وازدهارًا.