الإثنين 31 أغسطس 2026 05:05 مـ 17 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

دكتوة فاتن فتحي تكتب

دكتوة فاتن فتحي تكتب: دور منظمات المجتمع المدني في صناعة الكفاءات واحتضان المواهب وتأهيل الشباب لسوق العمل

لم يعد دور مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني في مصر يقتصر على تقديم المساعدات الاجتماعية أو تنظيم المبادرات الخيرية الموسمية، وإنما أصبح أمامها تحدٍّ أكثر عمقًا يتمثل في اكتشاف المواهب، وبناء القدرات، وتأهيل الشباب، وربط التدريب الحقيقي باحتياجات سوق العمل، بما يحول العمل الأهلي من مجرد تقديم خدمة مؤقتة إلى استثمار مستدام في الإنسان، وإلى شريك فعلي للدولة والقطاع الخاص في مواجهة البطالة وفجوة المهارات.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل حقيقة اقتصادية وديموغرافية لافتة؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 1.3 مليون شاب مصري يدخلون سوق العمل سنويًا، في الوقت الذي لا يُستحدث فيه سوى نحو 500 ألف فرصة عمل في العام، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الداخلين الجدد إلى سوق العمل وبين فرص العمل المتاحة. ويؤكد البنك الدولي كذلك أن القطاع الخاص ينتج نحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر ويستوعب أكثر من 80% من قوة العمل، الأمر الذي يجعل مواءمة التدريب مع احتياجات القطاع الخاص ضرورة وليست رفاهية.
حيث تلعب منظمات المجتمع المدني في الخارج والمنطقة العربية دورًا متزايدًا في سد فجوات المهارات وربط الشباب بفرص العمل، من خلال التدريب المهني والرقمي، والإرشاد الوظيفي، ودعم ريادة الأعمال، وبناء الشراكات مع الحكومات والقطاع الخاص. وتؤكد تجارب المنطقة أن نجاح هذه المنظمات يرتبط بقدرتها على الانتقال من تقديم الخدمات إلى صناعة قابلية التوظيف وربط التدريب بالطلب الفعلي على العمالة؛ ففي الأردن، أسهمت برامج تنمية المهارات والتوظيف في حصول 48 ألف أردني على وظائف في القطاع الرسمي، بينما استفاد 30 ألفًا من التدريب أثناء العمل، كما جرى تدريب أكثر من 4 آلاف شخص في المجال الرقمي وتوفير أكثر من 3,200 فرصة عمل رقمية.
وفي المنطقة العربية، يتسع الدور ليشمل دعم الفئات الأكثر احتياجًا، واللاجئين، والشباب والنساء، وتسهيل الانتقال إلى سوق العمل المحلي والعابر للحدود، وهو ما يتطلب منظمات تمتلك قدرة على بناء الشراكات وتوفير التدريب المرتبط بالمهارات المستقبلية. وفي لبنان والعراق، ظهرت نماذج تعتمد على نوادي البحث عن العمل والتدريب على المهارات السلوكية والرقمية واستخدام منصات التوظيف والذكاء الاصطناعي، بينما حققت مشروعات التوظيف المكثف في عدد من الدول العربية نحو مليون يوم عمل خلال عامين. وتؤكد هذه التجارب أن المجتمع المدني العربي مطالب بأن يكون شريكًا فاعلًا في بناء رأس المال البشري، لا مجرد جهة لتقديم المساعدات.
وتكشف بيانات وتقارير دولية عن جانب آخر من المشكلة، يتمثل في ارتفاع معدلات الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب، وهي الفئة التي تعرف عالميًا باسم NEET، بينما أظهرت بيانات سابقة أن نسبة هذه الفئة في مصر بلغت 28.7% في 2022، مع فجوة واضحة بين الذكور والإناث؛ إذ وصلت النسبة إلى نحو 42% بين الشابات مقابل 17% بين الشباب. كما أظهرت بيانات قوة العمل لعام 2023 أن قوة العمل في مصر بلغت قرابة 30.1 مليون شخص، بينهم 27.9 مليون مشتغل ونحو 2.2 مليون متعطل.
هذه الأرقام تضع مؤسسات المجتمع المدني أمام مسؤولية تاريخية؛ فالمطلوب لم يعد مجرد تدريب عدد من الشباب على مهارة محددة، وإنما بناء منظومة متكاملة تبدأ باكتشاف الموهبة وتنتهي بالقدرة على الحصول على فرصة عمل والاستمرار والتطور داخلها. فالبرنامج التدريبي الناجح هو الذي يبدأ بدراسة احتياجات السوق، ثم يحدد المهارات المطلوبة، ويختار المتدربين وفق معايير واضحة، ويقدم تدريبًا نظريًا وعمليًا، ثم يقيس مستوى المتدرب قبل وبعد التدريب، ويقدم له الإرشاد المهني، ويفتح أمامه قنوات حقيقية للتوظيف.
وتؤكد التجارب المهنية في مصر أن قضية فجوة المهارات ومواءمة التعليم والتدريب مع الطلب على العمالة أصبحت من الملفات الأساسية في سوق العمل المصري، وهو ما يتطلب تعاونًا حقيقيًا بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، حتى تصبح برامج التدريب انعكاسًا فعليًا للاحتياجات المتغيرة للمهن والقطاعات الاقتصادية.
ومن هنا، فإن تعظيم مخرجات التدريب يجب أن يصبح أحد أهم مؤشرات نجاح مؤسسات المجتمع المدني. فعدد الحاصلين على شهادة تدريبية لا ينبغي أن يكون المؤشر الوحيد للنجاح، وإنما يجب أن تسأل المؤسسة بعد انتهاء البرنامج: كم متدربًا حصل على عمل؟ وكم منهم استمر في العمل؟ وما نسبة من استطاعوا تحسين دخولهم؟ وما المهارات التي أصبحت لديهم؟ وهل تتوافق تلك المهارات مع احتياجات أصحاب الأعمال؟ وهل يستطيع المتدرب المنافسة خارج مصر أيضًا؟
وهنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم «الدورة التدريبية» إلى مفهوم «مسار التأهيل المهني»؛ بحيث يحصل الشاب على حزمة متكاملة تشمل المهارات الفنية، والمهارات الرقمية، واللغة، والتواصل، وإدارة الوقت، والعمل الجماعي، والسلامة المهنية، والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا، إلى جانب التدريب العملي، وهو ما يزيد من القيمة الحقيقية للشهادة ويجعلها مرتبطة بكفاءة يمكن اختبارها وقياسها.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن تعمل مؤسسات المجتمع المدني على اكتشاف المواهب في سن مبكرة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والفنون والرياضة والعلوم والابتكار وريادة الأعمال والحرف المهنية. فالموهبة التي لا تجد مؤسسة تحتضنها وتدربها وتوفر لها فرصة الظهور قد تتحول إلى طاقة مهدرة، بينما يمكن لاكتشافها في الوقت المناسب وتوفير البيئة المناسبة لها أن يحولها إلى مشروع مهني أو اقتصادي ناجح.
وتأتي رعاية الموهوبين وذوي الهمم والفئات الأولى بالرعاية في مقدمة المجالات التي يمكن للمجتمع المدني أن يحقق فيها أثرًا مضاعفًا؛ لأن الدمج الحقيقي لا يتحقق بالاحتفال بالمواهب فقط، وإنما بتوفير التدريب والتأهيل وفرص المشاركة والعمل والإنتاج. وقد شهد عام 2025 تنظيم مؤسسة فاتن فتحي للخدمات الصحية والتدريب فعاليات مجتمعية شارك فيها أطفال من ذوي الهمم ممن يمتلكون مواهب في الغناء والاستعراض والإلقاء، في نموذج يعكس أهمية إتاحة مساحات حقيقية لاكتشاف المواهب ودمجها اجتماعيًا.
وفي هذا السياق، يبرز دور منظمة «إنسانيون العالمية» باعتبارها أحد النماذج التي يمكن الاستفادة من تجربتها في العمل الإنساني والمجتمعي وبناء الشراكات، خاصة من خلال التعاون مع المؤسسات المتخصصة في التدريب والخدمات الصحية. وقد شهد عام 2025 تعاونًا معلنًا بين المنظمة ومؤسسة فاتن فتحي للخدمات الصحية والتدريب، تركز على توسيع التعاون في المجالات الصحية والإنسانية، ودعم المرضى، وتطوير الخدمات، وتأهيل الكوادر التمريضية.
ويكشف هذا التعاون عن أهمية بناء شراكات تكاملية داخل منظومة المجتمع المدني؛ فالمنظمة ذات الانتشار والعلاقات والشبكات يمكنها أن توفر مظلة للتعاون وتبادل الخبرات، بينما تستطيع المؤسسة المتخصصة أن تقدم التدريب الفني والخبرة التنفيذية على الأرض، وبذلك تتحول الشراكة من مجرد نشاط مشترك إلى منظومة قادرة على إنتاج كوادر مؤهلة.
أما مؤسسة فاتن فتحي للخدمات الصحية والتدريب، فتقدم نموذجًا واضحًا لربط التدريب باحتياج قطاع محدد من قطاعات سوق العمل، هو قطاع الرعاية الصحية والتمريض والرعاية المنزلية ورعاية كبار السن. وتشير المواد المنشورة عن المؤسسة إلى تنفيذ برامج ودورات في التمريض المنزلي، ورعاية المسنين، والإسعافات الأولية، مع توجه لتوسيع برامجها التدريبية الموجهة إلى الشباب الباحثين عن فرص عمل.
كما أعلنت المؤسسة عن تنظيم دورات لتأهيل الشباب في مجال التمريض المنزلي والرعاية الصحية، وهو اتجاه يكتسب أهمية خاصة مع التغيرات التي يشهدها سوق الخدمات الصحية وزيادة الحاجة إلى كوادر تستطيع التعامل مع المرضى وكبار السن داخل المنازل، وليس فقط داخل المؤسسات الطبية التقليدية. وفي يناير 2025، أعلنت المؤسسة تكريم خريجي دورة في التمريض المنزلي ورعاية المسنين والإسعافات الأولية، بما يعكس توجهها إلى بناء كوادر جديدة في هذا المجال.
ولا تتوقف قيمة هذا النموذج عند تخريج متدرب يحمل شهادة، وإنما تكمن في إمكانية تحويل التدريب إلى كفاءة مهنية قابلة للتشغيل. فالمتدرب في مجال الرعاية الصحية يحتاج إلى معرفة فنية، ولكنه يحتاج كذلك إلى مهارات التواصل مع المريض وأسرته، وإدارة المواقف الطارئة، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والتعامل مع الحالات المزمنة وكبار السن، وهي عناصر تجعل التدريب أكثر ارتباطًا بالواقع العملي.
وفي سبتمبر 2025، أعلنت المؤسسة ومنظمة «إنسانيون» عن بروتوكول تعاون لتأهيل الكوادر وتفعيل العمل التطوعي في مجال رعاية كبار المرضى والمسنين، وتضمنت البرامج المعلنة تأهيل مساعدي التمريض، والإسعافات الأولية، ورعاية المسنين، والتعامل مع حالات مثل الزهايمر والسكري والضغط.
وتكتسب هذه التجربة أهمية أكبر إذا نظرنا إليها من زاوية تصدير الكفاءات المصرية إلى الخارج. فالسوق الإقليمية والدولية لا تبحث فقط عن عمالة تمتلك شهادة، وإنما عن شخص يمتلك مهارة قابلة للقياس، وسلوكًا مهنيًا، ولغة، وقدرة على الالتزام بالمعايير، وشهادة تدريب معترفًا بها أو قابلة للتحقق. ولذلك فإن مؤسسات المجتمع المدني تستطيع أن تلعب دورًا محوريًا في إعداد الشباب المصري ليس فقط لوظائف الداخل، ولكن كذلك للفرص المتاحة في الأسواق العربية والدولية.
ومن الضروري هنا أن تتطور برامج التدريب الأهلي لتتضمن اللغة الإنجليزية واللغات المطلوبة في الأسواق المستهدفة، والمهارات الرقمية، والتعامل مع المنصات الإلكترونية، وإعداد السيرة الذاتية، واجتياز المقابلات، والتعرف على قوانين العمل والهجرة، وثقافة بيئة العمل في الدول المستقبلة. كما ينبغي أن تتعاون المؤسسات التدريبية مع جهات التوظيف وأصحاب الأعمال لمعرفة الوظائف المطلوبة فعليًا قبل تصميم المناهج.
ويأتي إدخال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة ضمن أولويات التدريب الجديدة؛ إذ أشارت الدكتورة فاتن فتحي في تصريحات منشورة خلال 2025 إلى أهمية الذكاء الاصطناعي في تطوير تدريب مساعدي التمريض وسد فجوة الكوادر في مجال الرعاية الصحية، وهو اتجاه يعكس ضرورة تحديث المناهج التدريبية وعدم الاكتفاء بالأساليب التقليدية.
وفي المقابل، فإن مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني لا تنتهي عند توفير التدريب، بل تمتد إلى ضمان جودة العملية التدريبية. ويتطلب ذلك مدربين مؤهلين، ومناهج محدثة، وتدريبًا عمليًا حقيقيًا، واختبارات قبلية وبعدية، ونظامًا لتقييم الخريجين بعد 3 و6 و12 شهرًا، فضلًا عن بناء قاعدة بيانات للخريجين لمعرفة مساراتهم المهنية.
ومن أهم المؤشرات التي ينبغي اعتمادها مستقبلًا ما يمكن تسميته «مؤشر الأثر التدريبي»، ويقيس نسبة من حصلوا على وظائف بعد التدريب، ونسبة من استمروا فيها، ومتوسط تحسن دخولهم، ونسبة من انتقلوا إلى وظائف أفضل، ونسبة أصحاب الأعمال الراضين عن مستوى الخريجين. وبهذا تنتقل المؤسسات من قياس «كم دورة نفذنا؟» إلى السؤال الأهم: «ماذا غيّر التدريب في حياة الإنسان؟»
كما ينبغي أن تتحول الجمعيات والمؤسسات الأهلية إلى حلقة وصل بين الموهبة والتعليم والتدريب والتشغيل وريادة الأعمال، بحيث لا يكون الشاب أمام مسار منفصل لكل مرحلة، وإنما أمام منظومة متصلة تساعده على اكتشاف إمكاناته ثم تطويرها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية ومهنية.
وتشير التجارب الدولية إلى أن الاستثمار في الشباب ليس عبئًا على الاقتصاد، بل فرصة للنمو؛ فالتقديرات الاقتصادية تشير إلى أن الوصول إلى تشغيل كامل للشباب في مصر يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 36%، بينما يمكن أن يؤدي تضييق فجوة مشاركة المرأة الاقتصادية إلى زيادة تقديرية تصل إلى 68%. كما تشير التقديرات إلى إمكانية دعم نمو اقتصادي يتجاوز 6% سنويًا خلال الفترة 2026–2050، مع إمكانية خلق ما يصل إلى 2.3 مليون وظيفة سنويًا في ظل تنفيذ إصلاحات متكاملة.
وتؤكد هذه المؤشرات أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع البطالة، وإنما مع فجوة المهارات؛ فوجود شاب بلا وظيفة قد يكون نتيجة نقص الوظائف، لكنه قد يكون أيضًا نتيجة عدم امتلاكه المهارات التي يبحث عنها صاحب العمل. ومن هنا تصبح مهمة مؤسسات المجتمع المدني هي العمل على جانبي المعادلة: رفع كفاءة الباحث عن العمل، والمساعدة في تعريف المؤسسات التعليمية والتدريبية بالمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد.
كما أن المجتمع المدني قادر على الوصول إلى شرائح قد يصعب على بعض البرامج التقليدية الوصول إليها، مثل الشباب في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، والنساء غير المشاركات في سوق العمل، وذوي الهمم، وأبناء الأسر محدودة الدخل. ويمكن للتدريب الرقمي والمراكز المتنقلة والشراكات المحلية أن توسع دائرة المستفيدين وتقلل الفجوة الجغرافية في فرص التأهيل.
وتكشف تجربة التعاون بين «إنسانيون العالمية» ومؤسسة فاتن فتحي أن التكامل بين العمل الإنساني والتدريب والخدمة الصحية يمكن أن يفتح مجالًا واسعًا أمام بناء نماذج جديدة من العمل الأهلي، لا تكتفي بالمساعدة وإنما تعمل على بناء الإنسان وتأهيله للمشاركة والإنتاج. وقد شهد عام 2025 تكريم الدكتورة فاتن فتحي ومنحها تقديرًا من منظمة «إنسانيون العالمية»، مع الإشارة إلى التعاون بين الجانبين في مجالات العمل الإنساني والصحي والتدريب وبناء القدرات.
وفي ديسمبر 2025، جرى الإعلان كذلك عن تكريم الدكتورة فاتن فتحي بوصفها شخصية قيادية مؤثرة لعام 2025، مع الإشارة إلى التعاون بين المنظمة والمؤسسة في ملفات الخدمات الصحية والتدريب وبناء القدرات. وتواصل هذا الحضور خلال 2026، مع منح منظمة «إنسانيون العالمية» الدكتورة فاتن فتحي درع التميز تقديرًا لجهودها في مجال العمل الإنساني ودعم الصحة والتنمية والمبادرات المجتمعية.
لكن نجاح هذه النماذج يظل مرتبطًا بضرورة الانتقال من المبادرات الفردية إلى خطط مؤسسية قابلة للقياس والتقييم، بحيث تكون لكل مؤسسة أهداف سنوية معلنة: عدد المستفيدين، عدد ساعات التدريب، نسبة التدريب العملي، عدد الشهادات المهنية، عدد فرص العمل التي تم الوصول إليها، ونسبة الاستمرار في الوظيفة، مع نشر نتائج دورية تعزز الشفافية والثقة المجتمعية.
وفي النهاية، فإن المجتمع المدني المصري يمتلك فرصة حقيقية لكي يصبح أحد أكبر مصانع الكفاءات الوطنية، بشرط أن يتعامل مع التدريب باعتباره استثمارًا طويل الأجل وليس نشاطًا موسميًا، وأن يتعامل مع الموهبة باعتبارها ثروة وطنية لا تقل أهمية عن أي مورد اقتصادي آخر.
وإذا نجحت مؤسسات مثل منظمة إنسانيون العالمية ومؤسسة فاتن فتحي للخدمات الصحية والتدريب في توسيع الشراكات، وربط برامجها باحتياجات أصحاب الأعمال، وتطوير المناهج، وقياس نتائج الخريجين، وفتح قنوات للتشغيل محليًا وخارجيًا، فإن الأثر لن يتوقف عند تدريب مئات أو آلاف الشباب، وإنما يمكن أن يمتد إلى تكوين كوادر مصرية مؤهلة، قادرة على المنافسة، وتحويل العمل الأهلي من مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين والإنتاج.
وهنا تصبح الرسالة الأهم: المجتمع المدني الناجح ليس الذي يقدم أكبر عدد من الخدمات فقط، وإنما الذي يترك وراء كل خدمة إنسانًا أكثر قدرة، وكل برنامج تدريب شابًا أكثر كفاءة، وكل موهبة فرصة حقيقية، وكل خريج طريقًا واضحًا إلى العمل والإنتاج.