عاصم خفاجي يكتب: حين ينتهي الحب.. هل يجب أن تتوقف الحياة؟
يحتاج الإنسان إلى الحب بقدر احتياجه إلى الأمان؛ يحتاج إلى عينٍ تدركه، وقلبٍ يضمه ولا يتركه، وصدرٍ يحتويه ولا ينفضه، ولا سيما لسانٍ طيبٍ لا يلفظه. وهذا يتطلب منا انتزاع الأقنعة الزائفة التي لا معنى لها في دنيا يفنى فيها كل شيء.
والحب بين الرجل والمرأة ليس مجرد اجتماع لحظي، وإنما هو من آيات الله في خلقه، كما قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ومن الأزمات التي نعيشها في بعض تصوراتنا المعاصرة الاعتقاد بأن الحب الحقيقي لا بد أن يستمر بالصورة نفسها حتى الموت، وأن الوفاء للماضي يعني بالضرورة إغلاق أبواب المستقبل. وهذه ليست قاعدة قرآنية ولا حكمًا شرعيًا؛ فالقرآن والسنة علّمانا الصبر على ألم الفقد، والاحتساب عند المصيبة، ومواصلة الحياة بما فيها من آلام وآمال.
وفي السيرة والتاريخ الإسلامي نماذج واضحة على ذلك. فقد استُشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة، وكانت زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها من النساء الصابرات، ثم تزوجت بعده أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم تزوجت علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وفاة أبي بكر. ولم يكن انتقالها إلى حياة زوجية جديدة انتقاصًا من حبها السابق ولا خيانة لذكراه، وإنما كانت تلك سنة الحياة التي تستمر رغم الفقد.
وكذلك أم سلمة رضي الله عنها، حين توفي زوجها أبو سلمة رضي الله عنه، ذكرت دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علّمها إياه عند المصيبة: «اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها». ثم أكرمها الله بالزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت أمًا للمؤمنين.
وهنا تتجلى حقيقة مهمة: قد يكون الماضي صادقًا، ومع ذلك يظل المستقبل ممكنًا.
وقد يميل بعض الناس إلى تصور الحب باعتباره قصة واحدة لا تتكرر، وربما يجدون في قصة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها أبي العاص بن الربيع رضي الله عنهما نموذجًا بالغ التأثير للجمع بين الحب والوفاء والصبر. وهي بالفعل قصة عظيمة، لكن البشر، على اختلاف طباعهم وأقدارهم، خُلقوا ليواصلوا السير في الحياة بما فيها من أفراح وأحزان، وفقد ولقاء.
والحق أن أعظم الحب هو حب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد شاء الله أن يجري عليه ما يجري على البشر من سنة الموت والفقد. وحين توفي النبي صلى الله عليه وسلم، نزل قول الله تعالى:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.
فالآية تؤكد أن الموت سنة ماضية على البشر، وأن رحيل الإنسان لا يعني انتهاء الحياة، ولا سقوط الرسالة التي عاش من أجلها.
والقرآن لم يعد الإنسان بحياة تخلو من الفقد والحزن، وإنما علّمه كيف يتعامل معهما، فقال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.
ولعل من أقوى نماذج تجاوز الفقد في السيرة النبوية ما حدث بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، وفقد النبي صلى الله عليه وسلم سندًا عظيمًا من السكن والمودة والدعم، حتى عُرف ذلك العام في كتب السيرة بـ«عام الحزن». ومع شدة حزنه ووفائه لخديجة رضي الله عنها، استمرت حياته، وتزوج بعد ذلك، وظل يذكر فضلها ومكانتها، وفي الوقت نفسه عاش مع زوجاته أمهات المؤمنين حياة تقوم على المودة والرحمة.
وهذا ليس تناقضًا؛ فالوفاء للماضي لا يعني رفض المستقبل، والحب الصادق لا يتحول بالضرورة إلى سجن يمنع الإنسان من مواصلة حياته.
فالأمل قد يولد من رحم الألم، ولكم المثل في مراحل حياتكم المختلفة؛ فالطفولة تنتهي، وكانت يومًا حقيقة جميلة، والفتوة تنتهي، وتتعاقب مراحل العمر، وتنتهي الحياة، ويبقى الأثر. فاعملوا على أن تتركوا أثرًا طيبًا قبل أن تنتهي الرحلة، يا أولي الألباب وأصحاب البصائر والقلوب السليمة.
اتركوا الفطرة السليمة تعمل في موضعها، ولا تحاربوها بالموروثات الخاطئة أو التصورات التي تجعل الحلال والحرام مختلطين، أو تجعل الإنسان أسيرًا لفكرة لم يثبتها دين ولا عقل.
وقد رأيت في بعض المواقف خلال هذا العام 2026 صورًا لهذا الخلط، وأخشى أن يزداد في القادم، والله متمّ أمره ومراده.
ويُنسب إلى الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» حديث واسع عن المحبة والرضا والتعلق بالله، لكن من المهم هنا ألا ننسب إليه عبارة محددة إلا بعد التثبت من نصها في الكتاب. والأصل الذي لا خلاف عليه أن العبودية لله وحده، وأن الإنسان إذا فقد شيئًا من محبوبات الدنيا، فله أن يلجأ إلى الله، ويستمد منه الصبر والسكينة والأجر.
وأستطرق في حديثي قليلًا إلى مسلسل «فل على ورد وياسمين»، حيث يواجه البطل تجربة فقد الحب، ثم يتجاوز الألم ويدخل مرحلة جديدة من الأمل في حياته، لكن بعض الناس ينظرون إلى هذه البداية الجديدة من خلال موروثات اجتماعية تجعل تجاوز الفقد أو الزواج بعده وكأنه انتقاص من الحب السابق.
وهنا تكمن الرسالة: ليس كل من بدأ حياة جديدة قد خان ماضيه، وليس كل من أحب مرة واحدة ممنوعًا من أن يجد السكينة مرة أخرى. فالحب قد يكون صادقًا، والفقد قد يكون مؤلمًا، لكن الحياة أيضًا تستحق أن تُعاش، والمستقبل يظل ممكنًا ما دام الإنسان قادرًا على أن يفتح قلبه للأمل.


