الأربعاء 26 أغسطس 2026 03:11 مـ 12 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

الدكتور محمد حسين يكتب: بصمة حواء في أرض الإمارات: من التأسيس إلى تمكين الفضاء

تُمثل تجربة تمكين المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً تاريخياً فريداً في المنطقة العربية؛ إذ لم تكن مشاركتها وليدة طفرة اقتصادية مفاجئة أو مجرد استجابة لضغوط معاصرة، بل أُنسجت بعناية ضمن رؤية استراتيجية واعية رافقت قيام الاتحاد عام 1971. ويأتي الاحتفال بـ "يوم المرأة الإماراتية" في الثامن والعشرين من أغسطس من كل عام—وهو التاريخ الذي شهد تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975—ليكون محطة سنوية لتأمل مسار ملهم تحولت فيه المرأة من شريك أساسي في مجتمع ما قبل النفط إلى قائدة للمشاريع الاستراتيجية والنووية والفضائية.
وقد تأسست المظلة التمكينية للمرأة برعاية متكاملة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وبجهود استثنائية من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات". ولم يقتصر هذا الدعم على الخطاب السياسي النظري، بل تُرجم فورياً إلى تشريعات وضمانات دستورية؛ حيث نص الدستور الإماراتي على مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، ويكفل لها حق التعليم الإلزامي والإشراك الكامل في فرص العمل والخدمة العامة.
ومن المنظور الحقوقي الدولي، يُشكل نموذج التمكين الإماراتي استجابة عملية وتطبيقًا إيجابيًا لأحكام الصكوك والمعاهدات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو - CEDAW) التي انضمت إليها الدولة. وتتجلى الملاءمة القانونية في تفعيل أطر "التدابير الخاصة المؤقتة" (المادة 4 من سيداو) لتسريع تحقيق المساواة الفعلية، فضلاً عن إرساء قواعد حظر التمييز في الأجور والعمل (المادة 11)، وتأكيد حق المشاركة في الحياة السياسية والعامة (المادة 7). كما ينعكس هذا الالتزام الحقوقي في تعزيز الشراكة مع منظمات الأجهزة الأممية (مثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة) وتقدم الدولة المستمر في مؤشرات منظومة المراجعة الدورية الشاملة (UPR)، مما يمنح التجربة الإقليمية بعداً حقوقياً يوازن بين الاستحقاق الوطني والالتزام الدولي.
وعلى الصعيد السياسي والحوكمة، حققت الإمارات قفزة تاريخية بقرار رفع نسبة تمثيل المرأة في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50%، مما وضع الدولة في صدارة المؤشرات الدولية لمشاركة المرأة برلمانيًا، ناهيك عن حضورها اللافت في الحقائب الوزارية وتوليها ملفات مستقبلية حيوية كالتغير المناخي والعلوم المتقدمة وقضايا الشباب. وتوازى هذا الحضور السياسي مع تمكين اقتصادي صلب، حيث أُقرت التشريعات التي تُطالب بتمثيل نسائي في مجالس إدارة الشركات المساهمة العامة، بينما تدير سيدات الأعمال الإماراتيات اليوم استثمارات بمليارات الدراهم في قطاعات متنوعة تمتد من المصارف إلى الطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
وفي البعدين الاجتماعي والثقافي، تصدرت الإمارات الترتيب الإقليمي في تقارير الفجوة بين الجنسين بفضل سياسات تكافؤ الأجور وتطوير تشريعات الحماية الاجتماعية. كما أسهمت الأديبات والكاتبات الإماراتيات في إثراء المشهد الثقافي العربي عبر الرواية والشعر والنقد، إلى جانب أدوارهن القيادية في إدارة المؤسسات الثقافية والمتاحف العالمية مثل "لوفر أبوظبي"، وحضورهن البارز في المحافل الفنية الدولية كحافظات للهوية ومجددات في أدوات التعبير المعاصر.
ولم تقف هذه الإنجازات عند حدود الأرض، بل امتدت إلى مجالات العلوم المتقدمة والفضاء؛ إذ شكلت الكوادر النسائية نحو 34% من الفريق العلمي لمسبار الأمل في مشروع استكشاف المريخ، وانضمت نورا المتروشي كأول رائدة فضاء عربية، بينما تشارك المهندسات الإماراتيات بنسبة كبرى في تشغيل محطات "براكة" للطاقة النووية السلمية. ويتوج هذا السجل الحافل ببروز لافت في المجال الرياضي عبر اعتلاء منصات التتويج الإقليمية والدولية في رياضات الجيوجيتسو والفروسية وألعاب القوى.
إن يوم المرأة الإماراتية ليس مجرد مناسبة احتفالية تكريمية، بل هو محطة لمراجعة قصة نجاح تنموية وحقوقية تُثبت أن الاستثمار في رأس المال البشري لا يكتمل إلا بتمكين نصف المجتمع، لتبني الدولة نموذجًا استثنائياً يستند إلى الأصالة الثقافية والالتزام بالمعايير الدولية والانطلاق نحو المستقبل العلمي.

‏‪[email protected]‬‏