السبت 22 أغسطس 2026 12:16 مـ 8 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

اغتيال الطفولة

طفولة تُغتال.. من يحمي أطفالنا من المعتدين؟

إسراء السخاوي
لم تعد وقائع الإعتداء الجنسي على الأطفال مجرد أخبار عابرة تمر أمام أعيننا ثم تختفي من صفحات الحوادث. تكرار الوقائع المتداولة، وتنوع صور الإعتداء، وظهور حالات يكون فيها المعتدي شخصًا يعرفه الطفل أو يملك عليه سلطة أو فارقًا واضحًا في السن والقوة، كلها أمور تفرض علينا أن نتوقف ونسأل: هل نفعل ما يكفي لحماية أطفالنا؟
الأمر الأكثر إيلامًا أن الطفل قد لا يكون قادرًا على فهم ما تعرض له، أو التعبير عنه، أو حتى إدراك أن ما حدث يمثل اعتداءً. وقد يخاف من الحديث بسبب تهديد المعتدي، أو خوفًا من العقاب، أو لأن المعتدي شخص يثق به الطفل أو تثق به الأسرة.
وهنا تكمن الخطورة.
فالاعتداء على الطفل لا يعني فقط وقوع جريمة في لحظة معينة، وإنما قد يعني بداية آثار نفسية واجتماعية تمتد لسنوات. طفل فقد إحساسه بالأمان، أو أصبح يخشى من أشخاص كان يفترض أن يكونوا مصدر حماية له، أو حمل بداخله شعورًا بالذنب رغم أنه الضحية.
المعتدي ليس دائمًا غريبًا
من أخطر المفاهيم التي يجب أن نتخلص منها أن الخطر يأتي دائمًا من شخص مجهول في الشارع.
الحقيقة أن الطفل قد يتعرض للإستغلال من شخص يعرفه أو يلتقي به بإستمرار، سواء داخل محيط الأسرة أو في مكان تعليمي أو رياضي أو ترفيهي أو أي بيئة يتواجد فيها الأطفال.
ولهذا فإن حماية الطفل لا يمكن أن تقوم على تحذيره فقط من «الغريب».
يجب أن يتعلم الطفل منذ الصغر أن جسده له، وأن هناك حدودًا لا يحق لأحد تجاوزها، وأن من حقه أن يرفض أي تصرف يجعله يشعر بالخوف أو عدم الراحة، وأن يخبر شخصًا بالغًا يثق به دون خوف من العقاب.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يحصل الآباء على التوعية الكافية لمعرفة العلامات التي قد تظهر على الطفل بعد تعرضه لموقف مؤذٍ، وكيفية الإستماع إليه دون تخويف أو لوم.
والأخطر.. اعتداء طفل أكبر على طفل أصغر
هناك جانب آخر شديد الحساسية لا يمكن تجاهله، وهو وقوع سلوكيات واعتداءات بين الأطفال أنفسهم، خصوصًا عندما يكون هناك فارق واضح في العمر أو القوة أو القدرة على التأثير.
وهنا لا يجوز التعامل مع الأمر باعتباره مجرد «لعب أطفال» إذا كان هناك إجبار أو تهديد أو استغلال أو انتهاك لخصوصية طفل أصغر.
وفي الوقت ذاته، فإن التعامل مع الطفل الذي ارتكب السلوك يجب أن يكون متخصصًا ويتناسب مع سنه ومسؤوليته القانونية، لأن الهدف ليس فقط العقاب، وإنما حماية الطفل المعتدى عليه، وفهم أسباب السلوك، ومنع تكراره.
حماية طفل لا تعني تجاهل ما تعرض له طفل آخر.
لا للتستر باسم العائلة
من أخطر ما يمكن أن يواجه الطفل أن يتحول خوف الأسرة على سمعتها إلى وسيلة لحمايته ظاهريًا بينما تتركه في الحقيقة وحيدًا أمام آثار الجريمة.
لا يجوز أن يصبح المعتدي «قريبًا»، أو «شخصًا محترمًا»، أو «كبيرًا في السن»، أو أن تكون مكانته الاجتماعية سببًا للصمت.
لا توجد صلة قرابة تبرر الجريمة، ولا عمر يبرر الاعتداء، ولا مكانة اجتماعية تمنح أحدًا حصانة من القانون.
والأسوأ أن بعض الأسر قد تضغط على الطفل للصمت خوفًا من الفضيحة أو كلام الناس.
لكن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع هي أن حماية سمعة الأسرة لا يمكن أن تكون أهم من حماية طفل.
نحتاج ردعًا حقيقيًا
القانون المصري يتضمن بالفعل نصوصًا تجرّم الاغتصاب وهتك العرض والاعتداءات الجنسية على الأطفال، وتضع ظروفًا مشددة للعقوبة في حالات معينة مرتبطة بسن المجني عليه أو بظروف الجريمة وصفة الجاني.
لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا هو: هل نحتاج إلى مراجعة التشريعات وإجراءات تطبيقها بما يضمن ردعًا أكثر فاعلية وحماية أكبر للطفل؟
نحن بحاجة إلى عدالة سريعة وحاسمة، وإلى إجراءات تراعي طبيعة الطفل النفسية أثناء التحقيق، وإلى متخصصين مدربين على التعامل مع الأطفال ضحايا الاعتداء، وإلى حماية حقيقية لهم من إعادة إيذائهم نفسيًا أثناء الإجراءات.
فالطفل الذي يضطر إلى تكرار تفاصيل ما تعرض له أمام أكثر من جهة، أو يشعر بأنه متهم بدلًا من كونه ضحية، قد يتعرض لأذى نفسي جديد فوق الأذى الذي تعرض له بالفعل.
الحماية تبدأ قبل وقوع الجريمة
القانون وحده لا يكفي.
نحن بحاجة إلى منظومة حماية تبدأ من المنزل، ولا تنتهي عند بوابة المدرسة أو الحضانة.
الحضانات والمدارس والأندية ومراكز الأنشطة وكل مؤسسة تتعامل مع الأطفال تحتاج إلى قواعد واضحة للتعامل مع الصغار، وآليات فعالة للشكوى والإبلاغ، ورقابة حقيقية على العاملين والمتعاملين مع الأطفال، مع الالتزام بالضوابط القانونية والخصوصية اللازمة.
كما يجب ألا يكون الإبلاغ عن الاشتباه في خطر على طفل أمرًا معقدًا أو مخيفًا للأسرة.
كلما كان الوصول إلى الجهات المختصة أسرع وأسهل، كانت فرصة حماية الطفل أكبر.
لا نريد انتقامًا.. نريد عدالة
المطالبة بقانون رادع لا تعني الدعوة إلى الانتقام أو العقوبات العشوائية.
المطلوب هو عدالة حقيقية: قانون واضح، تطبيق حاسم، إجراءات سريعة، حماية للضحية، ومحاسبة للمعتدي وفق القانون.
نريد أن يعرف كل شخص يفكر في استغلال طفل أن الطفل ليس فريسة سهلة، وأن خلفه أسرة ومجتمعًا ودولة وقانونًا لن يسمحوا بأن تتحول طفولته إلى ثمن لجريمة ارتكبها شخص بالغ.
وفي الوقت نفسه، نريد أن يعرف الطفل شيئًا أهم:
إذا تحدثت.. سنصدقك.
إذا خفت.. سنحميك.
وإذا تعرضت للأذى.. فالذنب ليس ذنبك.
فالطفل لا يجب أن يتحمل مسؤولية جريمة لم يرتكبها.
ولا يجب أن ننتظر وقوع جريمة جديدة حتى نتحرك.
ومن هنا تأتي المناشدة إلى المشرّع والجهات المعنية بضرورة الاستمرار في مراجعة منظومة حماية الطفل، وسد أي ثغرات تشريعية أو إجرائية، وتشديد الردع حيث تقتضي الحاجة، وتسريع إجراءات التقاضي، وضمان حصول الطفل الضحية على الدعم النفسي والقانوني اللازم.
كما أن المجتمع نفسه أمام مسؤولية لا تقل أهمية.
علينا أن نتوقف عن الصمت عندما يكون الصمت حماية للمعتدي، وأن نتوقف عن لوم الطفل، وأن نتعامل مع أي بلاغ يتعلق بسلامة طفل بمنتهى الجدية.
طفولة الأطفال ليست مساحة للتهاون.
كل طفل له الحق في أن يعيش آمنًا، وأن يذهب إلى مدرسته وحضانته وناديه ويعود إلى منزله دون أن يحمل خوفًا من شخص يفترض أن يكون مصدر أمان.
والقضية في النهاية ليست قضية طفل واحد.
إنها قضية مجتمع كامل.
فإذا عجزنا عن حماية أطفالنا، فممن نحميهم؟
نريد قانونًا يردع.. ومنظومة تحمي.. ومجتمعًا لا يصمت.
لأن العدالة لا تبدأ عندما يقف الطفل أمام المحكمة.
العدالة الحقيقية تبدأ عندما نمنع الجريمة من الوصول إليه.
طفولة تُغتال.. من يحمي أطفالنا من المعتدين؟