الأحد 16 أغسطس 2026 07:07 مـ 2 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

صابر سكر يكتب: الشهود في المحاكمات الجنائية.. قواعد مهمة أمام منصة القضاء (١)


شهدت صفحات «فيس بوك» خلال الفترة الأخيرة لغطًا وجدلًا واسعًا بين عدد من المحامين حول شهود الزور وشهادة الزور، وما يرتبط بهما من إشكاليات قانونية وعملية.
ومن هنا، رأينا أن نبدأ سلسلة من المقالات حول شهادة الشهود من البداية إلى النهاية، بهدف توعية قرائنا وبيان القواعد القانونية والعملية المرتبطة بها، وصولًا إلى شهادة الزور وأحكامها وآثارها القانونية.
ونبدأ في هذا المقال من الأساسيات: من هو الشاهد؟ وما أنواعه؟ وكيف تُسمع شهادته أمام المحكمة؟ وكيف يتعامل الدفاع معها؟
ثلاثة أنواع من الشهود أمام المحكمة
تُعد الشهادة من أهم وسائل الإثبات في المحاكمات الجنائية، ويكتسب التعامل مع الشهود أهمية خاصة، سواء بالنسبة إلى النيابة العامة أو الدفاع، لما قد يكون لأقوال الشاهد من أثر في تكوين عقيدة المحكمة.
ويمكن تقسيم الشهود – من الناحية العملية – إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
أولًا: شهود الإثبات
وهم الذين سمعتهم النيابة العامة في سبيل إثبات الاتهام على المتهم، وأدرجت أسماءهم ضمن قائمة أدلة الثبوت، باعتبار أن شهادتهم قد تؤيد ارتكاب المتهم للجرائم المنسوبة إليه.
ثانيًا: شهود النفي
وهم الذين يطلب المتهم أو دفاعه سماع شهادتهم، بهدف نفي الاتهام عنه أو تأييد دفاعه في الدعوى.
ثالثًا: شهود الخبرة
وهم ليسوا شهود إثبات أو نفي بالمعنى التقليدي، وإنما يُستعان بهم لإيضاح مسائل فنية أو تخصصية قد تحتاج إلى معرفة لا تتوافر لغير المتخصص، ومن أمثلتهم الأطباء الشرعيون، وخبراء الأسلحة والذخائر، والمختصون في الفحص الفني والحسابات وغيرهم.
للمحكمة سلطة استدعاء الشهود
للمحكمة أن تستدعي شهود الإثبات من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الدفاع، متى رأت أن لشهادتهم محلًا في الدعوى.
كما أن للمتهم ودفاعه أن يطلبا سماع شهود النفي، وللمحكمة أن تستدعي شهود الخبرة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الدفاع، متى رأت أن الاستعانة بهم لازمة للفصل في الدعوى.
كيف تبدأ المحكمة سماع الشاهد؟
تبدأ المحكمة بسؤال الشاهد عن اسمه وسنه ومهنته، ثم تحلفه اليمين القانونية بأن يقول الحق ولا شيء غير الحق، وبعد ذلك تبدأ في سؤاله عن معلوماته بشأن الواقعة محل الاتهام.
وقد تسأله المحكمة عن مضمون شهادته أو عما شاهده وعلمه بشأن الواقعة، ثم تنتقل إلى التفاصيل التي ترى ضرورة استيضاحها.
وبالنسبة إلى الشاهد محدود الثقافة، قد يكون السؤال أكثر بساطة ووضوحًا، كأن يُقال له: «جاي تشهد بإيه؟»، ثم تتولى المحكمة تفصيل شهادته واستجلاء عناصرها.
دور النيابة ثم الدفاع
بعد أن تفرغ المحكمة من سؤال الشاهد، يأتي دور النيابة العامة لمناقشته، وغالبًا ما قد تكتفي بما سبق أن أجرته من تحقيقات، فتُبدي اكتفاءها بما سُئل عنه الشاهد أمام المحكمة.
ثم يأتي دور الدفاع في مناقشة الشاهد واختبار مدى تماسك شهادته ودقتها واتساقها مع باقي أدلة الدعوى.
قواعد مهمة في مناقشة الشاهد
على محامي الدفاع أن يلتزم بعدد من الضوابط أثناء مناقشة الشاهد، ومن أهمها:
أولًا: توجيه السؤال إلى المحكمة، لتقوم بتوجيهه إلى الشاهد، أو الاكتفاء بالطريقة التي تسمح بها المحكمة.
ثانيًا: عدم تكرار سؤال سبق للمحكمة أو النيابة توجيهه إلى الشاهد وأجاب عنه، إلا إذا كانت الإجابة ناقصة أو غامضة أو تحتاج إلى إيضاح.
ثالثًا: أن تكون الأسئلة محددة وواضحة، باستخدام أدوات الاستفهام المناسبة، مثل: متى؟ أين؟ من؟ كيف؟ ماذا؟ لماذا؟
رابعًا: عدم توجيه الشاهد أو تلقينه الإجابة، وعدم مقاطعته أو تعنيفه، أو التعامل معه بصورة عدائية أو ودية قد تؤثر في شهادته.
فالتعامل مع الشاهد يجب أن يكون في إطار من الحياد والاحترام والالتزام بآداب المرافعة.
الاستعداد الجيد لمناقشة الشهود
يجب على محامي الدفاع أن يستعد قبل الجلسة لمتابعة أقوال الشهود وتدوينها بصورة منظمة وسريعة، حتى يستطيع مجاراة الشاهد أثناء سرد شهادته.
ومن المفيد أن تكون أمام المحامي ورقة خاصة بالبيانات الأولية للشاهد:
الاسم
السن
المهنة
حلف اليمين
ثم تُدوَّن النقاط الجوهرية في شهادته، وما يستجد أثناء مناقشته أمام المحكمة.
التناقض.. مفتاح مهم في مناقشة الشاهد
من أهم ما ينبغي أن يبحث عنه الدفاع أثناء مناقشة شاهد الإثبات وجود تناقض بين أقواله أمام النيابة وأقواله أمام المحكمة.
كما ينبغي مقارنة شهادته بالدليل الفني وباقي أدلة الدعوى؛ فقد يكشف التعارض بين الرواية الشفوية والدليل الفني عن نقطة جوهرية تستحق الوقوف عندها.
وعلى الدفاع أن يستكمل ما فاته من أسئلة، متى كان من شأن الإجابة عنها أن تكشف حقيقة الواقعة أو تدعم موقف المتهم أو تنفي الاتهام عنه.
متى يكون استدعاء شاهد الإثبات مفيدًا أو ضارًا؟
إذا لم ترَ المحكمة ضرورة لاستدعاء شاهد إثبات، فقد يرى الدفاع – بحسب ظروف كل دعوى – عدم طلب استدعائه، خصوصًا إذا كانت شهادته ضعيفة أو يشوبها قصور واضح؛ إذ قد يؤدي استدعاؤه إلى منحه فرصة لتدارك أوجه الضعف وتصحيح ما شاب شهادته من عوار.
أما إذا كانت شهادة شاهد الإثبات جازمة بحق المتهم، فقد يكون من المفيد – بحسب تقدير الدفاع وظروف الدعوى – طلب مناقشته؛ فقد ينسى بعض التفاصيل أو يخطئ أو يختصر في روايته أمام المحكمة، بما قد يكشف أوجه قصور أو تناقض يستفيد منها الدفاع.
شاهد النفي.. لا تلقّنه شهادته
أما بالنسبة إلى شاهد النفي، فينبغي أن يتعامل الدفاع معه بحذر شديد.
فلا يجوز تلقينه مضمون شهادته أو تدريبه على ما يقوله أمام المحكمة؛ لأن الشاهد الذي استشهد به الدفاع يجب أن يقرر ما يعلمه من تلقاء نفسه، لا أن يردد رواية أُعدت له مسبقًا.
كما يجب أن يكون الدفاع مستعدًا لمناقشته، خصوصًا إذا تركت المحكمة لمن استدعاه مهمة توجيه الأسئلة إليه، حتى لا يتحول حضور شاهد النفي إلى مجرد إجراء شكلي ينتهي بكلمة «شكرًا» دون الاستفادة الحقيقية من شهادته.
الشاهد لا يُخاصَم.. وإنما تُختبر شهادته
وفي النهاية، فإن مناقشة الشهود ليست مواجهة شخصية بين المحامي والشاهد، وإنما هي وسيلة قانونية لاختبار مدى دقة الشهادة واتساقها مع باقي أدلة الدعوى.
وقد يكون السؤال الواحد، إذا وُضع في موضعه الصحيح، أكثر تأثيرًا من عشرات الأسئلة؛ لأن الهدف ليس الإكثار من الاستجواب، وإنما الوصول إلى الحقيقة وكشف مواطن التناقض أو النقص أو الغموض.
ففي المحاكمة الجنائية، ليست العبرة بكثرة الأسئلة، وإنما بالسؤال الذي يكشف الحقيقة.