من النيل إلى سور الصين العظيم ..التوافق الصينى – المصرى فى المستقبل المشترك فى عيون عالم صينيات مصرى
بقلم: د. عبد العزيز حمدى
تحتفل مصر والصين هذا العام (2026) بمرور سبعين عاما على تدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تحديدا يوم 30 مايو عام 1956، حيت أصدرت الحكومتان المصرية والصينية بيانا مشتركا حول اقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء بين البلدين، وهو يمثل منعطفا مهما فى خريطة العلاقات الدولية آنذاك، حيث كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقوم بتأسس علاقات دبلوماسية كاملة مع جمهورية الصين الشعبية.
وإذا ألقينا نظرة سريعة على الأحداث التى مرت على البلدين فى إطار العلاقات بينهما فى غضون السبعين سنة المنصرمة، فستلوح أمام أعيننا العديد من المقتطفات التاريخية المشرقة والأحداث المؤثرة، ولعل من أهمها فى أبريل عام 1999 أصبحت مصر أولى الدول العربية والأفريقية وأيضا النامية التى أقامت علاقات تعاون استراتيجى مع الصين. ولا غرو ان تشهد العلاقات المشتركة زخما شديدا ونشأت بينهما سلسلة من علاقات التعاون التى تتصف بأنها الأولى من نوعها وذلك فى أطار تعاونهما المتبادل، ففى عام 2006 كانت مصر أولى الدول التى وقعت مع الصين على المخطط التنفيذى لتعميق علاقات التعاون الاستراتيجي بين الدولتين، حيث أسست وزارة الخارجية لكل من مصر والصين آليات الحوار الأستراتيجى بينهما. كما أنُشىء المركز الثقافى الصينى بالقاهرة (2002) الذي يعد أول مركز يتم تأسيسه فى منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، وصار المركز الثقافى الصينى الوحيد فى تلك المنطقة. كما تم أنشاء معهد كونفوشيوس (2006) بجامعة القاهرة، وكان أيضا المعهد الأول بمنطقة شمال أفريقيا.
ومن نافل القول ان مصر أصبحت أول دولة أفريقية تقبل التعامل ببطاقة الائتمان الصينية يونيون باى. وفى عام 2008 أنشأت الصين اول منطقة دولية للتعاون الاقتصادى والتجارى فى منطقة غرب آسيا وشمال أفريقية، وقد وضع حجر أساس منطقة التعاون الاقتصادى والتجارى بين الصين ومصر بمحافظة السويس فى مصر، وسرعان ما أصبحت تلك المنطقة قاعدة صناعية دولية بارزة.
وبداية من حلول عام 2014، دخلت العلاقات بين مصر والصين مرحلة تاريخية جديدة، حيث أرتقت تلك العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. كما أن مشاركة مصر كضيف شرف فى قمة مجموعة العشرين التى أقيمت فى المدينة الصينية هانتشو (2016) تلبية لدعوة الجانب الصينى أرست قاعدة سياسية لعلاقة الصداقة المصرية الصينية، وتدعيم مفهوم علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الدولتين، والمشاركة فى حوكمة العالم.
إن القواسم التاريخية المشتركة فى العلاقات بين مصر والصين من الصداقة والتضامن والتعاون تمثل الارث الذى تركه التاريخ للدولتين اللتين تضطلعان بمسؤوليتهما التاريخية الجسام على كافة الأصعدة. فمنذ النضال المرير للحرب العالمية ضد الفاشية، خاضت الصين ومصر ودول الحلفاء المعركة الدامية حتى تحقق الانتصار والسلام، وكللت جهود الدولتين بالنجاح الباهر فى توقيع (بيان القاهرة) فى مصر فى عام 1943 الذى وجه ضربة قاصمة للإستعمار والأمبريالية والعدوان اليابانى، وتحقيق الاستقرار الوطنى الذى جمع مصر والصين فى ظلال التفاهم والدعم المتبادل.
والجدير بالذكر أنه منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية فبل سبعين عاما خلت، تتعمق الثقة السياسية المتبادلة بين مصروالصين تدريجيا، ويحرص الجانبان الصينى والمصرى على تبادل الثقة والدعم مهما تغيرت الأوضاع الدولية والأقليمية، ويؤازر كل منهما الآخر فى مصالحه الجوهرية، ويجمعهما التنسيق وتطابق الرؤى السياسية والأستراتيجية فى القضايا الدولية المهمة، ويبذلان الجهود المضنية المشتركة من أجل تعزيز واستقرار منطقة الشرق الأوسط ودفع التنمية والسلام فيها.
الرئيس الصينى شى جين بينغ قدم تقييما رائعا للعلاقات الصينية ـ المصرية بتلك الكلمات الصادقة:" الصين ومصر بلدان شقيقان تجمعهما أواصر الصداقة العميقة. وعلاقات الصداقة بين البلدين تشبه نهر النيل الذى يندفع ويتدفق إلى الأمام." ففى غضون السبعين عاما المنصرمة، ظلت علاقات الصداقة الصينية المصرية مستمرة وراسخة متوارثة جيل بعد جيل، وذلك لأن علاقاتهما تنبع من رغبة شعبية عامة، والتعاون المشترك بين الدولتين هو السبيل لتعزيز هذه الصداقة. كما أن العلاقات الصينية ـ المصرية لا تحمل فى طياتها أية أعباء تاريخية، بل هى مشاعر ودية صادقة تتجاوز حد الزمان والمكان، فضلا عن العلاقات المتبادلة منذ فجر التاريخ وحتى عصرنا الحالى، تبرز للعيان القوة الكامنة القادرة على التطور المطرد، وتعزيز روافد التعاون بين البلدين. كما أن مصر والصين يتقاسمان السراء والضراء دائما وأبدا، مما عمل على توطيد وشائج الثقة المتبادلة بين الطرفين. ومن ثم حينما نقول إن مصر دولة صديقة وشريكة للصين، بل وشقيقة لها، فان هذه ليست عبارات وكلمات دبلوماسية، ولكنها كلمات صادقة تؤازرها حقائق تاريخية عظيمة.
إن الصين صنو وتوءم الحضارة المصرية، ومن أعضاء "نادى الحضارات العريقة". وقدمت الحضارتان المصرية والصينية أفضل الانجازات للبشرية جمعاء، وكانتا مصدر "الاشعاع الثقافى" وتجذرت جذورهما فى كل ميادين الحياة. ومن ثم تمتعتا بالأزدهار والتقدم والخلود على مر القرون والازمان. وتعيش الصين فى كنف الكونفوشيوسية منذ أكثر من ألفى سنة وخمسمائة عام، وترسخت مبادئها وفلسفتها داخل أذهان الشعب الصينى الذى اتشح بالوشاح الكونفوشيوسى حتى الوقت الحاضر وأنجب "الحضارة الكونفوشيوسية " التى تسطع اضواءها فى كافة الاصقاع فى الصين وجنوب شرق آسيا. أما مصر فقد اعتنقت الإسلام الذى ظهر منذ ألف وستمائة سنة خلت مثل سائر العديد من دول العالم وتضافرت جهودها فى بناء "الحضارة الاسلامية" التى انتشلت الشرق من وهدة الفقر والتخلف، بينما كان الغرب يرزح فى وادى الغباوة والظلام.
ومن يمن الطالع ان كلا من "الحضارة الكونفوشيوسية" و"الحضارة الإسلامية" تعتنقان مبادئ "تكامل الحضارات" و"التعددية الثقافية" و"القيم المشتركة". وعلى الرغم من أن الكونفوشيوسية هى فلسفة أخلاقية، وهى مذهب فكرى وثقافى وليست عقيدة دينية، بيد أنها تتقاسم مع "الحضارة الاسلامية " الاخلاق الانسانية وجوهرها سلوكيات الإنسان، وأساسها التهذيب الذاتى والرياضة النفسية والمحاسبة الذاتية، وحسن إدارة شؤون العائلة والدولة والبلاد، والاهتمام بفضائل الأخلاق من الإخلاص والبر بالوالدين والصداقة والادب والتسامح. كما أن تلك الحضارتين تحتويان على فلسفة تربوية جوهرها أن التربية هى الوسيلة الوحيدة لتقويم سلوكيات الإنسان، ناهيك عن فلسفة سياسية وأساسها تحديد العلاقات الاجتماعية مع بيان الحقوق والألتزامات واهمها المحبة والاحترام والتسامح والعدل، وان الشعب أساس الدولة وقوامها. وانطلاقا من هذا الانسجام الفكرى والثقافى والروحى، كانت مصر أول دولة إسلامية اقامت الصين معها علاقة سياسية حيث أنُشئت القنصلية الصينية فى القاهرة فى أول سبتمبر عام 1935 التى أصبحت المفوضية الصينية فى عام 1942، وتلى ذلك انشاء المفوضية المصرية فى الصين.
والملاحظة الدقيقة والعميقة والمتأنية لتطور العلاقات الصينية ـ المصرية نجد أن الدولتين قدمتا أنموذجا مثاليا للتعاون الإقليمي وقوة الاتحاد، إذ تمثل مصر الركيزة الاستراتيجية للعالم العربى ، كما أنها بوابة مهمة للعبور الى قارة أفريقيا، هذا بالإضافة إلى كونها دولة نامية كبرى. فالعلاقات المصرية الصينية لا تمثل انطلاقه للتعاون الصينى العربى والصينى الأفريقى فحسب، لكنها أيضا تعد صورة مصغرة للتعاون مع دول الجنوب النامية.
وعلى مدى السبعين عاما الماضية، وفى ظل الأوضاع الدولية المتغيرة، ظلت علاقة الصين بالدول العربية والدول الافريقية وكذلك الدول النامية، والتى من ضمنها مصر قائمة على الاحترام المتبادل، والثقة والدعم والتأييد، فصار التعاون والصداقة والمستقبل المشرك بمثابة المحاور الأساسية القائم عليها العلاقات الصينية العربية والصينية الافريقية والعلاقات مع دول الجنوب النامية. وقد شاركت مصر والصين بصورة فعالة فى منتدى التعاون الصينى العربى والصينى الافريقى، لبناء آليات التعاون المختص بمجالات العمل، ولخلق حوار جماعى بين جميع الأطراف، وكذلك العمل على تعزيز التعاون المشترك مع دول الجنوب.
وعلى صعيد آخر، جاءت مبادرة " الحزام والطريق"وقدمت فرصة تاريخية عظيمة لدفع سبل التعاون بين مصر والصين، وبناء حلم المستقبل لكلا الدولتين. فان مصر ـ بالنسبة للصين ـ تقع فى منطقة التقاطع مع الغرب، وذلك فى إطار الحزام والطريق، إذ تتمتع مصر بموقع متفرد، ومكانة محورية متميزة، مما يجعلها فى نطاق المرحلة الأولى من بناء النهضة الاقتصادية. لذلك، فان مصر تعد شريكا تعاونيا مهما لدفع تنفيذ مبادرة الحزام والطريق. وبالتطلع إلى الهيكل التعاونى لمصر والصين فى إطار مبادرة الحزام والطريق، فسنجد أن الجانبين يمتلكان العديد من نقاط التوافق والتواصل على صعيد التنمية الاستراتيجية، وذلك من حيث الموقع الجغرافى، والموارد الطبيعية، والهيكل الصناعى، ورأس المال التقنى، وغيرها من مجالات الاستثمار التجارى، والصناعة والزراعة الحديثة، والنقل والشحن، والطاقة الكهربائية، والتكنولوجية الفضائية.
والجدير بالذكر أنه فى ظل الاهتمام البالغ من قبل مصر والصين، وكذلك سبل الدفع والتقدم المشتركة بينهما، فان خطى التعاون فى إطار الهيكل البنائى المشترك لمبادرة الحزام والطريق لا تفتر عن المضى قدما بوتيرة متسارعة. وقد اشارت الصين إلى ضرورة أن تكون استراتيجيات التنمية لكل مصر والصين وكذلك تطلعاتهماعلى نحو متواز، وكذلك ضرورة الاستفادة من إنشاء البنية التحتية والتعاون الانتاجى المشترك بين البلدين، وجعل مصر دولة مركزية على محور مبادرة الحزام والطريق. وقد أكدت مصر تأييدها ودعمها لمبادرة الحزام والطريق، كما أعلنت عن أهمية ان تكون جزءا من هذه المبادرة. وقد وقعت الدولتان على مذكرة التفاهم الحكومى حول الدفع المشترك بين البلدين لبناء مبادرة الحزام والطريق، فقد حددت تلك الوثيقة المنهجية المهمة الاتجاه العام للتعاون المشترك فى إطار هذه المبادرة، كما أوضحت مهام كل طرف بدقة، وذلك للحصول على نتائج ملموسة فى ظل التعاون المشترك.
وتعد منطقة التعاون الاقتصادى والتجارى بين الصين ومصر والتى تقع بالقرب من خليج السويس أنمودجا ناجحا فى التكنولوجيا الاقتصادية والتعاون الانتاجى المشترك بين البلدين فى إطار الهيكل البنائى لمبادرة الحزام والطريق. فقد اندمجت التقنية الانتاجية المتقدمة لدى الجانب الصينى وخبراته وتجاربه الادارية مع الموارد الطبيعية والقوة العاملة لدى الجانب المصرى. وبالإضافة الى ذلك، وبعد ان توصل الجانبان الى اتفاق مهم على البناء المشترك لـ "الحزام والطريق"، يتوسع باستمرار التعاون فى القدرة الانتاجية وبناء البنية التحتية، ويجرى تنفيذ مشروعات تعاونية كثيرة بشكل منظم. وقد تم تدشين المرحلة الأولى لمنطقة خليج السويس للتعاون الاقتصادى والتجارى بين الصين ومصر حيث تشارك التقنيات والاجهزة والتجارب الصينية فى بناء مصر بشكل عميق. وهناك الكثير من النقاط المتطابقة فى خطة مشروع تنمية قناة السويس التى تتفق مع بادرة استراتيجية "الحزام والطريق". ويمكن تحقيق الربط بينهما. يرغب الجانب الصينى فى القيام بدور "الحقول التجريبية" لمنطقة التعاون الاقتصادى والتجارى بين الصين ومصر من أجل بناء منطقة التعاون وتطوير الصناعات والمجالات المتعددة فى مصر، مما يجعل خطة تنمية محور قناة السويس فرصة حاسمة لدخول مبادرة "الحزام والطريق" الى مصر.
وفى الآونة الأخيرة، ومع تطور العلاقات المصرية الصينية فى كافة المجالات، نجد الكثير من ملامح الثقافة الصينية قد توغلت فى الحياة اليومية للشعب المصرى، وتجلى ذلك بجلاء فى الزيادة المستمرة بانشاء أقسام لتعليم اللغة الصينية فى الجامعات المصرية، وكذلك ازدياد أعداد المصريين المولعين يالثقافة الصينية والحضارة الصينية. وبالإضافة إلى ذلك هناك الكثير من الاعمال الثقافية الصينية المعاصرة المتميزة قد ترجمت الى اللغة العربية وطبعت فى مصر، وأيضا المسلسلات الصينية التى تبث فى مصر باللغة العربية وتحظى باقبال شديد. وكذلك هناك الكثير من الأنشطة الثقافية التى تقام فى مصر منها حفل عيد الربيع والمسابقات الصينية مثل مسابقة جسر اللغة الصينية التى يتسابق الطلاب كل عام للاشتراك فيها ، وغيرها من الأنشطة الثقافية المتنوعة التى تعزز التواصل والتفاهم بين الشعبين.
وغنى عن البيان، ولا نعدو الحقيقة إذا وصفنا مسيرة العلاقات الصينية المصرية على مدار السبعين عاما الماضية بالمسيرة المشرقة، التى سنجني ثمارها اليانعة سويا، فضلا عن إننا نسطر فصلا جديدا من فصول التنمية والازدهار. وإذا نظرنا الى العلاقات الودية الصينية المصرية القائمة منذ آلاف السنين، فسنجد انها راسخة كالاهرامات، خالدة كسور الصين العظيم، جارية مثل نهر النيل، متدفقة كنهر اليانغستى.
وزبدة القول، إننى على يقين بأن الدولتين لا يزال أمامهما المزيد من التطلعات السامية والآمال المشتركة والبرامج والطموح فى المستقبل لإنماء روافدهما الثقافية وتوسيع آفاق التعاون بينهما، وكما يقول المثل الصينى: "الحظ يأتى مع البر الغربى ثلاثين عاما ومع البر الشرقى ثلاثين عاما"، ولا شك أن الحظ سيكون معنا فى الثلاثين عاما المقبلة، فمصر فى ثوبها القشيب تتجه شرقا وتتبوأ مقعدها على البر الشرقى لأن الشمس تشرق من الشرق، وتستقبل شمس المعرفة ونور العلم مع الصين، توأمها الحضاري.

