الخميس 13 أغسطس 2026 11:04 مـ 28 صفر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

عمالة الأطفال

الطفولة ليست قوة عمل.. والإنجاب مسؤولية

إسراء السخاوي
لم يكن حادث الإسماعيلية مجرد خبر عابر عن تصادم سيارتين، ولا مجرد أرقام جديدة تضاف إلى قوائم ضحايا حوادث الطرق. خلف الأرقام وجوه وبيوت وأمهات وآباء، والأكثر إيلامًا أن بين الضحايا أطفالًا لم يكن مكانهم الطبيعي في سيارة تحمل عمالًا إلى أرض زراعية، وإنما كان يفترض أن يكونوا في مدرسة أو بين أسرهم، يعيشون سنوات طفولتهم كما ينبغي أن يعيشها أي طفل.
الحادث الذي أودى بحياة 18 شخصًا وأصاب 30 آخرين أعاد إلى الواجهة قضية عمالة الأطفال، وهي قضية لا يجوز أن نتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا فرضته الظروف أو الفقر.
نعم، الفقر قاسٍ، والاحتياجات كثيرة، وهناك أسر قد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن أي مصدر للدخل. لكن السؤال الأصعب: هل يصبح الطفل هو الحل؟
حين ينزل طفل في العاشرة أو الثانية عشرة أو الثالثة عشرة إلى العمل لساعات طويلة، ويحمل ما لا يناسب عمره، ويركب وسائل نقل غير آمنة، ويخرج إلى طرق السفر والمزارع والورش، فنحن لا نمنحه "خبرة في الحياة"، كما يحاول البعض أن يبرر، وإنما نحرمه من جزء أساسي من طفولته.
والأخطر أن بعض الأسر أصبحت تنظر إلى عمل الطفل باعتباره مساعدة للأسرة، أو دليلًا على الرجولة وتحمل المسؤولية.
لكن الطفل ليس مسؤولًا عن إعالة الأسرة.
الذي قرر أن ينجب طفلًا هو المسؤول عن توفير احتياجاته، وليس الطفل هو المسؤول عن تعويض عجز والديه.
وهنا نصل إلى قضية أكبر من عمالة الأطفال نفسها: مسؤولية الإنجاب.
الإنجاب ليس مجرد فرحة بصورة مولود جديد، ولا عددًا نحتفل به، ولا سباقًا بين الأسر. الإنجاب مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون حقًا.
أن تنجب طفلًا يعني أن تسأل نفسك: هل أستطيع أن أوفر له الطعام؟ التعليم؟ العلاج؟ الأمان؟ التربية؟ الوقت؟ وهل أستطيع أن أتحمل مسؤولية إنسان سيكبر ويحتاج إلى مستقبل، وليس مجرد طفل يحتاج إلى مصاريف السنوات الأولى؟
ليس المقصود أن يكون الفقر سببًا لمنع الناس من الإنجاب، ولا أن نحمل الأسر وحدها مسؤولية ظاهرة لها أسباب اقتصادية واجتماعية معقدة، لكن من غير المنطقي أيضًا أن نتجاهل أن عدد الأبناء يجب أن يكون مرتبطًا بقدرة الأسرة على رعايتهم.
فحين تنجب أسرة عددًا أكبر من قدرتها على الإعالة، ثم يصبح الحل أن ينزل الأطفال إلى الشارع أو المصنع أو المزرعة أو الورشة، فنحن أمام مشكلة في مفهوم المسؤولية نفسه.
والتربية ليست أن تقول لطفلك: "اشتغل عشان تساعدني".
التربية أن تعلمه قيمة العمل، نعم، لكن في الوقت المناسب وبما يناسب سنه، وأن تعلمه أن العلم ليس رفاهية، وأن جسده ليس أداة للعمل، وأن طفولته ليست شيئًا يمكن التضحية به عند أول أزمة مالية.
والعمل في حد ذاته ليس عيبًا، لكن عمل الطفل الذي يحرمه من التعليم أو يعرضه للخطر أو يحمله مسؤوليات أكبر من سنه هو المشكلة.
كما أن المسؤولية لا تتوقف عند الأسرة.
هناك صاحب العمل الذي يقبل تشغيل طفل لأنه أرخص وأسهل في السيطرة عليه.
وهناك من يقبل نقل عشرات العمال في سيارات غير مجهزة لذلك.
وهناك مجتمع اعتاد رؤية الأطفال يعملون حتى أصبح المشهد مألوفًا.
وهناك مسؤولية الدولة في الرقابة وتطبيق القانون وتوفير شبكات حماية حقيقية للأسر الأكثر احتياجًا.
لكن كل ذلك لا يلغي السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا:
أين كان يجب أن يكون هؤلاء الأطفال في ذلك الصباح؟
كان يجب أن يكونوا في المدرسة.
كان يجب أن يحملوا كتبهم، لا أدوات العمل.
كان يجب أن يتشاجروا مع أصدقائهم على لعبة، لا أن يحملوا همّ يومية العمل.
كان يجب أن يعودوا إلى بيوتهم ليسألوا أمهاتهم: "هنعمل إيه النهارده؟"، لا أن تنتظرهم أمهاتهم أمام باب مستشفى أو مشرحة.
حادث الإسماعيلية يجب ألا ينتهي بانتهاء مراسم الدفن، ولا بتبادل الاتهامات على مواقع التواصل.
يجب أن يتحول إلى مراجعة حقيقية لفكرة عمالة الأطفال، ولثقافة التعامل مع الإنجاب، ولطريقة تربيتنا لأبنائنا.
فالطفل الذي نضعه اليوم في طريق الخطر، قد لا نمنحه فرصة ليصل إلى الغد.
والأبوة والأمومة ليستا مجرد القدرة على الإنجاب.
الأبوة والأمومة قدرة على تحمل مسؤولية إنسان.
رحم الله من رحلوا، وشفى المصابين، وربط على قلوب أسرهم.
ولعل أقسى ما يمكن أن نتعلمه من هذه المأساة هو أن الطفولة أمانة، والأمانة لا تُلقى على عاتق الطفل.
الطفولة ليست قوة عمل .. والإنجاب مسؤولية