إسراءالسخاوي
لم تعد صناعة الوعي حكرًا على الصحيفة أو شاشة التلفزيون أو المنبر أو الكتاب.
لقد تغير المشهد بالكامل.
اليوم يستطيع شخص واحد يمتلك هاتفًا واتصالًا بالإنترنت أن يصل خلال ساعات إلى جمهور يفوق عدد قراء صحيفة كاملة، وأن يطرح فكرة، أو يطلق اتهامًا، أو ينشر معلومة، ثم يجدها الملايين أمامهم قبل أن تتاح لهم فرصة السؤال: هل هذا صحيح؟
وهنا تبدأ واحدة من أخطر قضايا العصر.
من يملك حق صناعة وعي الناس؟
الإجابة القديمة كانت واضحة: الإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية.
أما الإجابة اليوم فأصبحت أكثر تعقيدًا.
هناك الإعلام، والمؤثرون، والمنصات الرقمية، والخوارزميات، والمعلنون، والمستخدم العادي الذي قد يتحول في لحظة إلى ناشر ومصدر للمعلومة.
لم يعد المتلقي مجرد متفرج.
أصبح جزءًا من عملية صناعة المحتوى نفسها.
يضغط «إعجاب»، ويشارك منشورًا، ويعلق، ويعيد نشر مقطع، فيساعد بشكل مباشر أو غير مباشر في تحديد ما الذي يراه الآخرون.
وهنا تكمن المفارقة.
المنصات لا تسأل دائمًا: ما المحتوى الأكثر دقة؟
بل تهتم في كثير من الأحيان بما يجذب الانتباه، وما يدفع المستخدم إلى البقاء فترة أطول، وما يثير التفاعل.
ولهذا قد تنتشر المعلومة الصادمة أسرع من المعلومة الدقيقة، وقد يجد الخبر المثير طريقه إلى ملايين الأشخاص قبل أن يصل التصحيح إلى بضعة آلاف.
وفي هذه البيئة، يصبح الوعي العام معرضًا للخطر.
ليس لأن الناس لا يستطيعون التفكير، وإنما لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق المعلومة التي توافق مخاوفه أو غضبه أو أفكاره السابقة.
ومن هنا يمكن أن تتحول المعلومة إلى أداة تأثير.
قد يبدأ الأمر بعنوان مثير، ثم مقطع مجتزأ، ثم تعليق غاضب، ثم آلاف المشاركات، وبعد ساعات تصبح الرواية المنتشرة وكأنها حقيقة ثابتة.
لكن انتشار الفكرة لا يجعلها صحيحة.
وكثرة المشاركات لا تمنحها قيمة علمية.
وعدد المتابعين لا يجعل صاحب الحساب خبيرًا.
وهذه نقطة يجب أن نتوقف أمامها طويلًا.
فالمجتمع الذي يمنح الشهرة سلطة المعرفة، قد يجد نفسه في النهاية أمام أشخاص يملكون جمهورًا ضخمًا دون أن يملكوا بالضرورة الخبرة أو المسؤولية اللازمة للتأثير فيه.
المشكلة إذن ليست في المؤثرين وحدهم، ولا في الإعلام وحده، ولا في التكنولوجيا وحدها.
المشكلة في غياب الوعي النقدي لدى المتلقي.
أن نقرأ قبل أن نصدق.
أن نسأل عن المصدر.
أن نفرق بين الرأي والخبر.
أن نفهم أن الصورة يمكن أن تكون قديمة، والفيديو قد يكون خارج سياقه، والعنوان قد يكون مصممًا لاستفزازنا أكثر من إخبارنا.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام المهني أمام مسؤولية مضاعفة.
فالمنافسة لم تعد فقط على سرعة نشر الخبر، وإنما على استعادة ثقة الجمهور.
والثقة لا تُبنى بالصوت المرتفع، ولا بالعناوين الصادمة، وإنما بالدقة والشفافية والاعتراف بالخطأ عندما يحدث.
أما القانون، فله دور آخر بالغ الأهمية.
فحرية التعبير حق أساسي، لكنها لا تعني أن تتحول المنصات إلى مساحة مفتوحة للتشهير أو التحريض أو نشر الأكاذيب دون مسؤولية.
والتحدي الحقيقي هنا هو تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وحماية حرية التعبير، دون أن يتحول تنظيم الفضاء الرقمي إلى وسيلة لإسكات الآراء المختلفة.
إننا نعيش عصرًا لم تعد فيه المعركة الأساسية على امتلاك المعلومة فقط، وإنما على توجيه الانتباه إليها.
ومن يملك قدرة توجيه الانتباه، يملك جزءًا من القدرة على تشكيل الرأي العام.
لذلك فإن معركة المستقبل لن تكون فقط بين من يملك التكنولوجيا ومن لا يملكها، وإنما بين من يستطيع أن يستخدمها بوعي، ومن يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نمنع كل معلومة مضللة من الوصول إلينا.
ولا نستطيع أن نغلق كل منصة أو نمنع كل شخص من التعبير عن رأيه.
لكننا نستطيع أن نربي مجتمعًا لا يصدق كل ما يرى، ولا يشارك كل ما يقرأ، ولا يمنح كل مشهور سلطة الخبير.
فالوعي الحقيقي لا يعني أن تعرف كل شيء، وإنما أن تعرف متى تصدق، ومتى تشك، ومتى تبحث قبل أن تحكم.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا.