الثلاثاء 28 يوليو 2026 11:05 مـ 12 صفر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

تقارير وقضايا

بين النقل قبل العام والتثبيت لسنوات.. تناقضات التقييم في حركة مديري ”مستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة ” بالصحه

”الكرسي الساخن” بمستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة بالصحه.. كيف يؤثر التدوير السريع على جودة الخدمة الطبية؟

تأتي الرعاية الصحية في مقدمة أولويات أجندة التنمية الوطنية، حيث تمثل كفاءة الإدارة التنفيذية للمنشآت الطبية الركيزة الأساسية لضمان جودة الخدمات العلاجية المقدمة للمواطن المصري. وفي وقت تتضاعف فيه التحديات التشغيلية أمام قطاعات الرعاية العاجلة، يسلط هذا التقرير الصحفي التحليلي الضوء على مسار القرارات والتغييرات الإدارية الأخيرة داخل القطاع الصحي، بهدف تقديم قراءة تقييمية موضوعية تدعم جهود الدولة في بناء منظومة صحية متكاملة ومستدامة.

  • تدوير القيادات بأمانة المراكز المتخصصة: قراءة نقديّة بهدف تطوير المنظومة الصحية وصون حق المريض

    ( موازنة الخبرة القيادية بالخلفية التخصصية حجر الزاوية لنجاح مستشفيات الخط الأول)

وفي هذا السياق، تشهد أمانة المراكز الطبية المتخصصة التابعة لوزارة الصحة والسكان حركة تنقلات وتغييرات إدارية متتابعة هي الأضخم خلال عام 2026، حيث طالت الحركة هيكلة القيادات التنفيذية ومديري المستشفيات في أكثر من 24 صرحاً ومؤتلفاً طبياً يخدم ملايين المواطنين سنوياً على مستوى الجمهورية. وتأتي هذه التحركات الإدارية في وقت تُسارع فيه الدولة المصرية الخطى نحو رفع كفاءة جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطنين، وتحديث قطاعات الرعاية العاجلة والجراحات الحرجة. وتدار هذه المنظومة الضخمة التي تضم شبكة تزيد على 80 مستشفى ومركزاً تخصصياً بطاقة استيعابية تتجاوز 12 ألف سرير تحت قيادة الأستاذة الدكتورة مها محمد حسنين إبراهيم، أستاذ واستشاري طب أورام الأطفال بالمعهد القومي للأورام، والتي تتولى رئاسة الأمانة بموجب القرار الوزاري رقم 588 لسنة 2021 والقرار رقم 29 لسنة 2023 مع التجديد السنوي المستمر، حيث أشرفت على تنفيذ مشروعات قومية لتطوير المنشآت التابعة للأمانة، فضلاً عن زيادة الطاقة الاستيعابية لجراحات اليوم الواحد ومراكز الأورام وأقسام الطوارئ بنسب تجاوزت 35%.


  • منظومة المراكز الطبية المتخصصة تحت مجهر التقييم: الاستقرار المؤسسي رهان النجاح بقطاع الطوارئ
  • ( خبراء يؤكدون أهمية وضع مسطرة معايير موحدة لقياس أداء مديري المستشفيات)

غير أن حركة التنقلات الأخيرة يوليو 2026 التي شملت إعادة توزيع أكثر من 11 قيادة إدارية بارزة في تدوير متزامن فتحت نقاشاً مهنياً واسعاً في الأوساط الطبية والنيابية حول معايير التكليف الإداري، وسلطت الضوء على تحفظات نقابية وطبية حيال مدى التوافق بين الخلفية التخصصية لمدير المنشأة وبين طبيعة الخدمات الطبية الحرجة التي تقدمها مستشفيات الخط الأول في أقسام الطوارئ والإصابات المعقدة.

وتُظهر القراءة الميدانية والنقدية لمسار التغييرات وجود حالة من التدوير الإداري السريع في عدد من المستشفيات ذات الثقل الجراحي والعلاجي، حيث شهدت بعض الصروح تعاقب 3 مديرين تنفيذيين في غضون فترة لم تتجاوز 18 شهراً، مما يثير علامات استفهام حول أسباب غياب الرؤية التقييمية المستقرة وأهمية منح القيادات التنفيذية المدى الزمني الكافي الذي لا يقل عن عامين لتنفيذ استراتيجيات تطوير طويلة الأمد.

وقد شهد مستشفى دار الشفاء بالقاهرة الذي يستقبل مئات الحالات الجراحية الحرجة يومياً تكليف الدكتور صلاح الدين جاد، الذي أدار سابقاً مستشفى القاهرة الفاطمية ويمتلك خبرة في التخطيط والخدمات العلاجية المنتظمة، مديراً لدار الشفاء خلفاً للدكتور محمود أحمد الشرقاوي، استشاري الجراحة الذي تقدم باعتذاره عن عدم الاستمرار وسط تحفظات حول نقل قيادات من منشآت تخطيطية إلى صرح جراحي يعتمد في الأساس على استقبال الطوارئ المعقدة ليل نهار. وفي الوقت نفسه، تجسدت أزمة "الكرسي الساخن" وعدم الاستقرار الإداري في مستشفى البنك الأهلي للرعاية المتكاملة الذي يُعد شرياناً حيوياً لطوارئ طريق السخنة والقاهرة الجديدة من خلال تعاقب الإدارة خلال فترة وجيزة، بدءاً من الدكتورة ريهام عصام الدين التي نُقلت لإدارة مستشفى جراحات سملوط التخصصي بمحافظة المنيا، ثم الدكتور عبد الله أسامة الحفني الذي ركز على التنسيق الميداني، وصولاً إلى تكليف الدكتورة أسماء فتحي الجويلي بمسؤولية قيادة المستشفى. وامتدت التكليفات لتشمل الصعيد على بُعد أكثر من 350 كيلومتراً من العاصمة بنقل وتكليف الدكتور نحميا كامل إبراهيم مديراً رسمياً لمستشفى أبوتيج التخصصي بأسيوط، انتقالاً من موقعه السابق كنائب لمدير مستشفى ديرمواس التخصصي بالمنيا، للاستفادة من خبرته الميدانية والتنفيذية في تطوير قطاعات الرعاية الحرجة.


  • حركة الهيكلة الإدارية بوزارة الصحة.. بين استراتيجية ضخ الدماء وتحديات الاستقرار الزمني
  • ( مطالب إعلامية وطبية بتوفير مهلة زمنية كافية للمديرين لتطبيق خطط التطوير)

وفي سياق متصل، تتصاعد الانتقادات داخل الأروقة الطبية بشأن اتجاه الأمانة لإسناد إدارة صروح طبية ضخمة تعج بالتخصصات الجراحية والتروما وتخدم مئات الآلاف من المرضى سنوياً، مثل مستشفى الهرم التخصصي ومستشفى الزيتون التخصصي، إلى قيادات من خلفيات تخصصية مكملة كـ "العلاج الطبيعي"، لا سيما في ظل الترتيبات المتعلقة بالاستخلاف الإداري للقيادات التي تقترب من السن القانونية، كالدكتور منصور خليل سليمان الذي يستمر في موقعه قانونياً بمستشفى الهرم بالتوازي مع الإشادة الإدارية والطبية الشاملة بكفاءته.

ويرى متخصصون وأطباء طوارئ أن إدارة مستشفيات الخط الأول تتطلب دراية بالغة بالتفاصيل الفنية للجراحات الدقيقة والعنايات المركزة وقرارات الاستقبال السريعة، مؤكدين أن إسناد هذه المواقع لتخصصات لا تجارس القرارات الطبية الحرجة بشكل يومي قد يربك منظومة العمل الطبي وينعكس سلباً على سلامة المريض. كما تُبرز الحركة تناقضات واضحة في معايير التقييم والتدوير الإداري بين التدوير السريع لمديرين لم يكملوا 12 شهراً في مناصبهم دون مبرر إداري واضح، كما حدث في نقل الدكتور محمد عبد الكريم عبد القادر من مستشفى الشيخ زايد آل نهيان بالقاهرة إلى مستشفى كوم حمادة التخصصي بالبحيرة، ونقل الدكتورة نرمين محمد فؤاد من مستشفى الخانكة التخصصي إلى زايد آل نهيان، ونقل الدكتور بكر عبد السلام عبد المجيد من مستشفى قلين التخصصي بكفر الشيخ إلى الخانكة التخصصي بالقليوبية، وبين تثبيت قيادات أخرى لسنوات متصلة تجاوزت 4 سنوات متواصلة دون تغيير، كما في حالة استمرار الدكتور صلاح عمر جودة في موقع مدير مستشفى الشيخ زايد التخصصي بـ 6 أكتوبر منذ تكليفه بموجب القرار الوزاري رقم 15 لسنة 2022، وهو ما يُرجع إلى تميزه وارتفاع مؤشرات أداء مستشفاه لنسب رضا تجاوزت 90%، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول المسطرة القياسية المعتمدة لدى الأمانة ومدى إغفال حقيقة أن بعض المستشفيات (مثل دار الشفاء والزيتون والقاهرة الفاطمية) كانت تتسم بالاستقرار النجاحي ولا تستدعي التدوير؟!!!.

ويتضح من خلال هذا الطرح الصحفي النقدي أن إعادة الهيكلة أمر مطلوب لضخ الدماء الجديدة، إلا أن اختزال التغيير في مجرد نقل القيادات وتغيير المسميات دون مراعاة الطبيعة التخصصية للمستشفيات والخبرة الميدانية في إدارة الأزمات العاجلة قد يحول التدوير الإداري إلى العكس تماماً.

وتتكامل هذه القراءة النقدية بالدعوة إلى إرساء مسطرة معايير قياسية موحدة لقياس أداء المديرين بناءً على مؤشرات الجودة ونسب رضا المرضى، مع مراعاة التوافق بين التخصص الطبي وطبيعة المستشفى الجراحية، وتوفير الاستقرار الزمني للإدارة التنفيذية بما لا يقل عن عامين إلى ثلاثة أعوام لتطبيق الخطط التطويرية، فضلاً عن تعزيز مبدأ التقدير للقيادات الناجحة والحفاظ عليها في مواقعها، بما يضمن استقرار المنظومة الصحية وصون حق المريض في خدمة طبية عالية الجودة.

وفي التأسيس الختامي، يبقى التقييم الدائم وتحديث أدوات الإدارة حجر الزاوية في بناء أي منظومة صحية متطورة تسعى لكسب ثقة المواطن.

إن تغليب مصلحة المريض وضبط التوازن بين التخصص الطبي والخبرة القيادية، يتطلب حواراً ممتداً بين متخذ القرار والكوادر الميدانية لإرساء قواعد استقرار مؤسسي ينعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية الطبية.

وتظل تجربة أمانة المراكز الطبية المتخصصة فرصة حقيقية لترسيخ نموذج إداري مرن وقائم على التقييم العلمي، بما يعزز مكاسب القطاع الصحي المصري ويخدم التطلعات الوطنية في توفير رعاية صحية كريمة لكافة أبناء الوطن.

مستشفي أمانة المراكز الطبية المتخصصة الصحه وزارة صحه الأستاذة الدكتورة مها محمد حسنين إبراهيم رئاسة رئيس الأمانة