الأربعاء 22 يوليو 2026 01:16 مـ 6 صفر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

عقدٌ من برنامج التخارج الحكومي: من ”تسييل الأصول” إلى ”صناعة القيمة”

منذ عام 2016، وبالتوازي مع انطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، احتل ملف برنامج التخارج الحكومي صدارة أولويات الدولة المصرية، باعتباره أحد أهم أدوات تحرير الاقتصاد وجذب الاستثمار الخاص. وبعد نحو عقد من التجربة، بات بإمكاننا اليوم أن نحلل هذه التجربة لنستفيد من الدروس المكتسبة لدعم نجاح البرنامج في السنوات المقبلة.

خلال هذه الفترة كانت أيسر الصفقات هي نجاح الصناديق السيادية الخليجية، الإماراتية والسعودية، في الاستحواذ على حصص بعدة شركات قيادية مثل البنك التجاري الدولي، وأبو قير للأسمدة، وموبكو. مما يرسل رسالة واضحة: المستثمر الجاد لا يبحث عن صفقة رخيصة، بل عن كفاءة حقيقية وفرصة نمو، وهو ما تملكه مصر بوفرة. في المقابل تعثرت العديد من الصفقات بسبب عدم جاهزية الأصول للنمو مما دفع المستثمرين إلى تقييم هذه الأصول بأقل من قيمتها العادلة. وهو ما يوصي باتباع تحولٍ استراتيجيٍّ يقتضي فترات تهيئة وهيكلة أعمق لضمان تعظيم القيمة العادلة للأصل، بدلاً من التعجل في التخارج.

هذا التوجه الاستراتيجي يشير بوضوح إلى أن مفتاح النجاح القادم يكمن في تطوير آليات الإدارة النشطة والتأهيل المسبق. وهي أخبار جيدة في جوهرها: فالتحدي محدد ومعروف، وبالتالي قابل للمعالجة الفعالة.

فإذا كنا نستهدف فعلاً تحقيق طموح "وثيقة ملكية الدولة" في رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65%، فإن الفرصة أمامنا اليوم هي الانتقال من منطق "البحث عن مشترين" إلى منطق "التحول الهيكلي الجاذب"، عبر ثلاثة مسارات عملية يمكن تبنيها فوراً.

أولاً: حوكمة ثابتة ومساءلة واضحة، ركيزة الثقة

تنقلت مسؤولية الملف خلال سنوات قليلة من وزارة قطاع الأعمال العام الملغاة، إلى صندوق مصر السيادي منذ 2019، وصولاً إلى "وحدة الشركات المملوكة للدولة" التابعة لمجلس الوزراء المؤسسة في ديسمبر 2025، والتي تشرف على ما بين 600 و1000 شركة. واليوم يضاف إلى المشهد صندوق "أهرامات النيل للثروة السيادية" التابع لـ"جهاز مستقبل مصر"، وصندوق "داعم" الخدمي. دخول هذا الكيان الجديد فرصة لتعزيز مرونة الاقتصاد، بشرط دمجه ضمن حوكمة موحدة تقوم على: تكامل نوعي يمنع تداخل الأدوار بين الجهات ذات المصلحة (إدارة صندوق مصر السيادي للأصول القائمة التي تدر عائداً بالفعل ولا تحتاج إلى ضخ استثمارات ضخمة مقابل إدارة صندوق "أهرامات النيل" للمشروعات التنموية طويلة الأمد كالأمن الغذائي والطاقة المتجددة)؛ اتباع مبدأ الشفافية والإفصاح الدوري لكسب ثقة المستثمرين المحليين والأجانب؛ وآلية واضحة لتوجيه 7 إلى 10% من العوائد السنوية الحقيقية إلى الخزانة العامة؛ وإطار موحد وقابل للقياس لتحديد مصير كل شركة، بدلاً من التقدير الفردي الحالي.

ثانياً: "الشركات الرائدة" لبناء القيمة قبل التسعير

الاعتماد على إعادة الهيكلة المالية وحدها دون معالجة موازية لتحديات التشغيل والتنظيم وخاصة توافق مهارات الموارد البشرية مع احتياجات المؤسسات، يحدّ من قدرة الشركات على تحقيق أفضل قيمة عادلة. البديل هو نهج مركّز: اختيار 3 إلى 5 شركات نموذجية وإخضاعها لبرنامج تحول من عام إلى ثلاثة أعوام، يشمل إعادة هندسة الإجراءات وتفعيل الأنظمة الرقمية ومعالجة الترهل الوظيفي وربط الحوافز بالأداء. كلما تحولت هذه الشركات إلى قصص نجاح، ازدادت جاذبيتها وتحققت تقييمات أعلى. ويتطلب نجاح هذا المسار الاستثمار في كفاءات بشرية قادرة على قيادة التحول داخل الوحدة والصناديق والشركات المرشحة.

ثالثاً: البورصة كمحطة أخيرة بعد اكتمال مشوار صناعة القيمة

اتجهت الحكومة مؤخراً إلى "الطرح المؤقت" لبعض الشركات، خاصة في قطاع البترول، لتحديد سعر عادل وتيسير المفاوضات مع المستثمرين. وهي خطوة إيجابية، لكن قيمتها الأكبر تظهر حين تأتي كمحطة أخيرة في رحلة بناء القيمة لا كاختبار سعر لشركة لم تكتمل جاهزيتها بعد. وتؤكد تجربة طرح "البنك المتحد" أن استدامة نجاح الطروحات ترتبط أساساً بصياغة "رواية نمو تشغيلية" واضحة تصاحب استراتيجية التحول، بما يمكّن السوق من امتصاص التقلبات ويخدم المستثمر الاستراتيجي والمواطن معاً.

الرسالة الجوهرية للمرحلة المقبلة واضحة: التخارج الناجح ليس تسييلاً فحسب، بل عملية "تطوير ثم تخارج"، فالمستثمر الجاد لا يأتي لإنقاذ أصل متعثر، بل ليشارك في نمو قائم. ومصر، بأصولها الواعدة وزخمها الإصلاحي المتراكم على مدى عقد، في موقع متميز لصياغة هذه المعادلة: عبر مواءمة تشريعات الصناديق السيادية تحت مظلة حوكمة موحدة، وصناعة قيمة حقيقية في الشركات المرشحة قبل عرضها على المستثمرين، بما يضمن للاقتصاد المصري القيمة الكاملة التي تستحقها أصوله الاستراتيجية لصالح الأجيال القادمة.