عضو البرلمان العالمي يكشف للميدان ”فاتورة الحروب الحالية على البيئة العالمية” |حوار
في حوار حصري التقت الميدان مع الدكتور وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، في ظل تصاعد الصراعات من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط والخليج، ومن السودان إلى غيرها من بؤر التوتر، تتعالى أصوات الباحثين والبيئة حول ما تسميه التقارير الدولية "الكارثة الصامتة" للحروب: تدمير البيئة. ، يسلّط الضوء على الفاتورة البيئية للحروب الراهنة، وموقع القانون الدولي منها، وما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي والبرلمانات لكبح هذا النزيف.
في البداية دكتور وفيق، كيف تقرأ المشهد البيئي العالمي في ظل الحروب المتشابكة التي يشهدها عالمنا اليوم؟
الحرب لم تعد تدمير بيئة محلية فقط، بل أصبحت تسرّع الانهيار المناخي الكوكبي. نحن أمام مشهد تتكسر فيه قوانين البيئة كما تتكسر قوانين الحرب، وتُفرض قوانين الأمر الواقع بالقوة.
والجديد في حروب هذا العقد أنها جعلت البيئة سلاحاً وهدفاً وغنيمة في آنٍ واحد.
ما أبرز بنود "فاتورة الحروب" على البيئة؟
الفاتورة لها أربعة بنود كبرى:
أولاً، البنية الحيوية المدمّرة من غابات وتربة ومسطحات مائية وتنوع بيولوجي، حرب أوكرانيا وحدها ألحقت أضراراً بأكثر من ثلاثة ملايين هكتار من الأراضي، ودمرت أجزاء واسعة من المجاري المائية... وهوا ماأثر علي أشعال حرائق غابات كندا واللتي أثرت علي تلوث الهواء في نيويورك وولايات أمريكيه أخري.
ثانياً، البنية التحتية المدنية. تفجير محطات المياه والكهرباء والصرف الصحي "قنبلة بيئية مؤجلة" لأن تلوثها يستمر لعقود.
ثالثاً، انبعاثات العمليات الحربية نفسها. القطاع العسكري حول العالم من أكبر ملوّثي المناخ، والجيش الأمريكي وحده يصدر سنوياً ما يفوق انبعاثات دول كاملة.
رابعاً، النزوح وتغيير أنماط الاستهلاك. ملايين النازحين يستهلكون موارد مضاعفة، فيما تنهار سلاسل الإمداد الغذائي في مناطق الإنتاج.
هل تتسبب الحروب فعلياً في تسريع التغير المناخي؟
بالتأكيد. الحروب هي ما يمكن تسميته "كوارث مناخية تحت الطلب"، تدمير الأبنية يطلق جسيمات الأسمنت والزجاج والمعادن والبلاستيك في الجو. تدمير شبكات الكهرباء يُجبر السكان على استخدام مولدات الديزل الصغيرة التي تضاعف تركيز الجسيمات العالقة والملوّثات المحلية، تحويل مسارات الشحن البحري لتفادي مناطق النزاع يرفع الانبعاثات بنسبة قد تصل إلى 70% في الرحلة الواحدة وحرق آبار النفط في مناطق الحروب يدفع بآلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي في ساعات، كل هذا فوق كاهل مناخ أصلاً على حافة الانهيار.
يُتداول بين الباحثين مفهوم "تسليح البيئة"، كيف تنظر إليه؟
المفهوم أصبح حقيقة موثّقة، هناك حالات لتدمير السدود وتلويث مصادر المياه، ومنع وصول الوقود إلى المستشفيات والمنشآت الحيوية، وقطع إمدادات الحبوب عن قارة كاملة كما في أزمة القمح الأوكرانية، إضافة إلى الاستنزاف الوحشي للمعادن النادرة مثل الكوبالت والكولتان والليثيوم في مناطق النزاع لتمويل أطراف الصراع، كل هذا يجعل البيئة أداة ضغط استراتيجي على المدنيين، وهو ما يحتاج إلى توصيف قانوني واضح وتجريم دولي صريح.
ما الذي يحدث للبيئة بعد أن تصمت المدافع؟
للأسف الفاتورة لا تنتهي بانتهاء القتال، بل غالباً ما تتضخم، ما يُسمّى "إعادة الإعمار" يتحول في كثير من الحالات إلى تدمير بيئي جديد، إزالة الأنقاض الملوّثة في مواقع عشوائية، واستيراد مواد البناء من مسافات بعيدة، وإعادة تشييد مدن بنفس النمط الاستهلاكي الملوّث، إضافة إلى إهمال إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة التي تسمم التربة والمياه الجوفية لعقود طويلة، هذه الحلقة المفرغة هي التي يجب أن نكسرها.
هل يكفي القانون الدولي الحالي لحماية البيئة في حالات النزاع؟
نظرياً، نعم. اتفاقيات جنيف 1949 وبروتوكولاتها الإضافية تحظر الدمار الواسع غير المبرر للبيئة الطبيعية، البروتوكول الإضافي الأول ينص صراحة على أنه لا يجوز استخدام أساليب القتال التي تلحق أضراراً بالبيئة وتضر بصحة أو بقاء السكان، وقرار مجلس حقوق الإنسان 31/22 يعترف بالحق في بيئة صحية كحق أساسي من حقوق الإنسان.
لكن عملياً، لا رادع حقيقياً لا توجد محكمة بيئية دولية متخصصة، والمحكمة الجنائية الدولية لم تُصدر حتى الآن حكماً واحداً في "جرائم بيئية في الحرب" رغم مئات الانتهاكات الموثّقة، هذه في رأيي من أخطر ثغرات القانون الدولي المعاصر.
هنا تحديداً يأتي دور البرلمان العالمي للبيئة.. ما الذي يمكن أن يفعله أكثر من الحكومات؟
البرلمان يعمل في ثلاثة مسارات متوازية.
المسار الأول تشريعي مرجعي، نقدّم نماذج قوانين للدول مثل قانون تجريم الحروب البيئية، وقانون حماية البنية التحتية المدنية، وقانون مساءلة الشركات المُموِّلة للحروب الملوّثة.
المسار الثاني دبلوماسي برلماني، نُشرك برلمانات أكثر من سبعين دولة في الضغط الجماعي.
والمسار الثالث رقابي وتوثيقي عبر مرصد العدالة البيئية في زمن الحرب الذي يوثّق الانتهاكات بأقمار صناعية وأدلة قابلة للاحتجاج دولياً.
والأهم من ذلك، نعمل حالياً على ميثاق عالمي للعدالة البيئية في حالات النزاع ليكون مرجعاً لكل جهود الإعمار العادل بعد الحروب.
كيف يمكن للصحافة والإعلام لعب دور في هذا الملف؟
دور محوري، ما لم يُوثَّق لا يُحاسَب عليه أحد، نحن بحاجة إلى صحافة بيئية متخصصة في مناطق النزاع، صحافة تعرف أن "تدمير محطة مياه" ليس خبراً محلياً، بل جريمة بيئية وإنسانية قد تمتد آثارها لأجيال.
والأهم أن تربط الصحافة بين القصص الميدانية والأرقام المناخية الكبرى، لأن القارئ العادي يفهم أكثر عندما نقول له: "هذا القصف أضاف ما يعادل انبعاثات دولة كاملة في شهر واحد".
لو نظرنا إلى المستقبل، ما السيناريوهات التي تقلقكم وأيها تبشّر بالأمل؟
السيناريوهات المقلقة كثيرة: صراعات تُدار بالكامل بالذكاء الاصطناعي حيث يُستبدل الاستهداف البشري بالاستهداف البيئي المحسّن، وحروب على المياه في أحواض النيل ودجلة والفرات والسند بسبب تغير المناخ، وانهيار شبه كامل للأمن الغذائي العالمي بسبب تراكم التغيرات المناخية والنزاعات.
لكن السيناريوهات المُبشّرة موجودة، بروز جيل جديد من البرلمانيين يضع البيئة في قلب كل قرار أمني، وتبنّي مفهوم "الاقتصاد الدائري للسلام" حيث تكون إعادة الإعمار فرصة حقيقية لاعتماد الطاقات المتجددة والتصميمات الخضراء، ونشوء رأي عام عالمي لم يعد يقبل أن تكون بيئته رهينة لأي صراع.
رسالة أخيرة لمن توجهها؟
أوجّهها لثلاثة،
للحكومات أقول:
لا تبنوا سلاماً هشاً فوق أرض مدمّرة وسكان مسرّحين، فالاستثمار في البيئة هو أقصر طريق إلى سلام دائم.
وللمواطنين: البيئة ليست رفاهية، إنها أمن وجودي، وكل صوت في الانتخابات وكل مشاركة في نقاش عام يصنع سياسة.
وللشباب تحديداً: أنتم لستم ضحايا هذه الفاتورة، أنتم كتّاب الفاتورة الجديدة، فاتورة الإعمار الأخضر، وفاتورة السلام المناخي، وفاتورة الكرامة الإنسانية.
أخطر ما في الحروب أنها تعلّمنا أن نقبل الدمار، والأخطر أن تعلّمنا أن نُعيد بناء نفس الدمار بعد انتهائها.

